برگ هايي از تاريخ حسيني   خطبه هاي نور ـ خطبه هاي بديع ومتمايز شهيد جمعة ـ كتاب خطب الجمعة باللغة الفارسية   أثر السياق في توجيه دلالة الالفاظ دراسة في كتاب منة المنان   الفكرة الحية في حكم حلق اللحية   كتاب البيع ج(2)   كتاب البيع ج (1)   بحوث في صلاة الجمعة   الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام   الفتاوى الواضحة ج(2)   الفتاوى الواضحة ج (1)   كتاب الطهارة ج (1)   حبّ الذّات وتأثيره في السلوك الإنساني   السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين   صدر حديثاً الجلد الثاني من كتاب الطهارة   ذكرى استشهاد امير المؤمنين عليه السلام   ذكرى مولد الإمام الحسن المجتبى(ع)   ذكرى مولد الإمام الزمان(عجل الله تعالى فرجه)   ذكرى مولد الأنوار الثلاث   ذكرى استشهاد السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس)   صدر حديثاً الجلد الثاني من كتاب الطهارة   آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشاهرودي في ذمة الخلود   صدر حديثاً كتاب تعليقات على كتاب السنة والشيعة لإحسان إلهي ظهير   صدر حديثاً   تقريرات في علم أصول الفقه ج ١ و٢   ذكرى ميلاد السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها   ذكرى استشهاد فاطمة الزهراء(س)   شجب واستنكار   ذكرى المولد النبوي الشريف وحفيده الإمام الصادق والسيد محمد الصدر   ذكرى شهادة الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)   ذكرى رحيل الرسول الأكرم وسبطيه الحسن المجتبى والإمام الرضا   ذكرى استشهاد الإمام السجاد عليه السلام   تغيير اسم الموقع   السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين   عيد الغدير الأغر   ذكرى ميلاد الإمام الهادي عليه السلام   ذكرى استشهاد الإمام محمد الباقر عليه السلام   ذكرى استشهاد الإمام الجواد عليه السلام   ذكرى ميلاد الإمام الرضا عليه السلام   ذكرى استشهاد السيد الشهيد الصدر ونجليه (قدس)   كتاب أثر السياق   السلام عليك يا جعفر بن محمد الصادق   عيد الفطر المبارك   ذكرى استشهاد الإمام علي عليه السلام   ذكرى مولد الإمام الحسن المجتبى ـ كريم أهل البيت   ذكرى مولد منقذ البشرية   ذكرى ميلاد الانوار الثلاث   السلام على المعذب في قعر السجون وظلم المطامير   السلام على قلب زينب الصبور ولسانها الشكور   ذكرى ميلاد الإمام علي عليه السلام   ميلاد الامام الجواد (عليه السلام)   السلام عليك يا هادي الاُمة   ذكرى مولد الإمام الباقر عليه السلام   ذكرى ميلاد السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)   السلام على المغصوب حقها   ذكرى وفاة السيدة فاطمة المعصومة(سلام الله عليها)   ذكرى ميلاد الإمام الحسن العسكري   ذكرى مولد الرسول الأكرم(ص) حفيده الإمام الصادق(ع) والسيد الشهيد محمد الصدر(قدس)   ذكرى استشهاد الإمام الحسن العسكري عليه السلام   ذكرى رحيل الرسول والإمام الحسن والإمام الرضا عليهم آلاف التحية والسلام   السلام على الحسن المجتبى   السلام عليك يا سيد الساجدين   لا يوم كيومك يا أبا عبد الله   ذكرى ميلاد الإمام الكاظم عليه السلام   ذكرى مولد الإمام علي الهادي عليه السلام   اسعد الله أيامكم بحلول العيد الأضحى المبارك   ذكرى استشهاد الإمام الباقر عليه السلام   ذكرى ميلاد الإمام الرضا عليه السلام   الذكرى السنوية الثامنة عشر لاستشهاد السيد الشهيد محمد الصدر ونجليه(قدس)   ذكرى ميلاد السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام   عيد الفطر المبارك   تهدمت والله اركان الهدى   ذكرى مولد كريم أهل البيت الإمام الحسن المجتبى عليه السلام   خطبة الرسول الاكرم(ص) في استقبال شهر رمضان المبارك   ذكرى ميلاد منجي البشرية   اسعد الله ايامكم   نبارك لكم المبعث النبوي الشريف   ذكرى استشهاد الإمام الكاظم عليه السلام   ذكرى وفاة السيدة زينب سلام الله عليها   ذكرى مولد أمير المؤمنين عليه السلام   ذكرى مولد الإمام الجواد عليه السلام   عظم الله اجوركم بذكرى استشهاد الإمام الهادي عليه السلام   ذكرى استشهاد المفكر الكبير آية الله العظمى السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس)   ذكرى ميلاد فاطمة الزهراء سلام الله عليها   عظم الله اجوركم بذكرى رحيل السيدة الزهراء عليها السلام   ميلاد الإمام الحسن العسكري   صدر حديثا   ذكرى مولد السيد الشهيد محمد الصدر(قدس)   ذكرى مولد الإمام الصادق(ع)   ذكرى مولد الرسول الاعظم   ذكرى استشهاد الإمام الحسن العكسري(ع)   كتاب البيع الجزء العاشر والحادي عشر   ذكرى رحيل نبي الامة وولدية الإمام الحسن والإمام الرضا (ع)   حلول شهر صفر   ذكرى استشهاد الإمام محمد الباقر عليه السلام   الفكرة الحية في حكم حلق اللحية   ذكرى ميلاد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام   ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون   ذكرى استشهاد الامام الصادق عليه الصلاة والسلام   قريباً: اصدار كتاب البيع ج10 وج11 وكتاب الفكرة الحية في حكم حلق اللحية   إصدار البرنامج الرقمي (تراث آية الله العظمى السيد الشهيد محمد الصدر(قدس))   عيد الفطر المبارك   ذكرى شهادة الإمام علي عليه السلام   ذكرى ميلاد الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)   متى ترانا ونراك وقد نشرت لواء النصرِ ترى   اسعد الله ايامكم   شهادة الإمام علي الهادي(عليه السلام)   صدر حديثا المجلد التاسع من كتاب البيع   ذكرى ميلاد فاطمة الزهراء سلام الله عليها   نبارك لكم ذكرى ميلاد الرسول الأعظم وحفيده الإمام الصادق وولدهما السيد الشهيد محمد الصدر   صدر حديثاً كتاب المهدي المنتظر(عجل الله فرجه)   صدر حديثا المجلد السابع والمجلد الثامن من كتاب البيع   صدر حديثاً كتاب الرسائل والمقالات   حقوق الوالدين‏    شهر رمضان في قلب وعقل الشهيد السيد الصدر    واقعنا في ضوء ثورة الحسين عليه السلام    قصة من التأريخ الإسلامي (١)    نظرية في السلوك الإنساني    من هو الحاكم الأعلى في الدولة الإسلامية؟    الأعياد في الإسلام    شفتان من الماء    خطاب إلى المستقبل    أين الأدب الإسلامي الملتزم؟    أيها العقل    النصيحة الأخيرة    الآمال القاتلة    أعشاب صحراوية    نبوءة الإيمان    الجمعة الأولى غير متوفرة حالياً   
 لو تحزّب الإنسان لجماعةٍ من الجماعات أو لمبدأٍ معيّن أو لدينٍ معيّن أو لفكرةٍ خاصّةٍ، فإنَّه - لا شعوريّاً، ومن جراء حبّ الذّات الذي يملي عليه حبّ هذه الأفكار- يندفع اندفاعاً إلى تأييد هذه الفكرة ووضع البراهين لها، وإلى رفض ما عداها
1 حقوق الوالدين‏ عامة
2 شهر رمضان في قلب وعقل الشهيد السيد الصدر عامة
3 واقعنا في ضوء ثورة الحسين عليه السلام عامة
4 قصة من التأريخ الإسلامي (١) أدبية
5 نظرية في السلوك الإنساني قرآنية
6 من هو الحاكم الأعلى في الدولة الإسلامية؟ عامة
7 بين الدين والدنيا عامة
8 الأعياد في الإسلام عامة
9 شفتان من الماء قرآنية
10 خطاب إلى المستقبل أدبية
11 أين الأدب الإسلامي الملتزم؟ أدبية
12 أيها العقل أدبية
13 النصيحة الأخيرة أدبية
14 الآمال القاتلة أدبية
15 أعشاب صحراوية أدبية
16 نبوءة الإيمان أدبية
17 قراء فلسفية في حقيقة الاستعاذة من الشرّ قرآنية
18 في معنى ثقل الميزان وخفته قرآنية
19 في معنى تعليم الله للإنسان قرآنية
20 في معنى الكَوْثَر في قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) قرآنية
21 في معنى الأرض وزلزالها في قوله تعالى: (إِذَا زُلزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) قرآنية
22 كيف تطّلع النار على الأفئدة؟ قرآنية
23 المراد من عبادي في قوله تعالى: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) قرآنية
24 المراد من الماء الدافق في قوله تعالى: (خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) قرآنية
25 المراد بشرح الصدر في قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) قرآنية
26 فيما يستدل به على حرمة الشعر قرآنية
27 في معنى الربائب قرآنياً قرآنية
28 في حرمة الخمر والمسكر قرآنية
29 رد التحية من منظور قرآني قرآنية
30 حجّيّة القراءات قرآنية
31 القرآن الكريم ومخالفة القواعد العربية قرآنية
32 قوله تعالى: (وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ) قرآنية
33 مقارنة بين التطهير وإذهاب الرجس قرآنية
34 الزهد في النكاح قرآنية
35 السحر حقيقته وأحكامه قرآنية
36 قراءة في قوله تعالى(وشاورهم في الأمر) قرآنية
37 العدالة المشترطة لمتعدد الزوجات قرآنية
38 بحث حول تنصيف مهر الزوجة قرآنية
39 الزواج المبكر في نظر الإسلام قرآنية
40 قصّة التضحية الخالدة قرآنية
41 الاستدلال على العصمة بآية التطهير قرآنية
42 معنى التطهير والرجس قرآنية
43 في الفهم الأخلاقي للسجود القرآني قرآنية
44 الكذب معانيه واستعمالاته في القرآن الكريم قرآنية
45 أغراض سور القرآن الكريم قرآنية
46 الربا حقيقته وحكمه قرآنية
47 كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر(عج) عقائدية
48 الجهاد العلمي عند الإمام الحسن العسكري (ع) عقائدية
49 الخطوط العامة لمواقف الإمام الهادي(عج) عقائدية
50 الاتجاهات العامة في عصر الغيبة الصغرى عقائدية
51 تمهيد الإمام الحسن العسكري (ع) لغيبة ولده المهدي(عج) عقائدية
52 في كيفية تصرف الإمام المهدي(عج) في الشؤون المالية عقائدية
53 حياة الإمام المهدي(عج) الخاصة عقائدية
54 حل الإمام المهدي(عج) للمشاكل العامة والخاصة عقائدية
55 تعيين المهدي (عج) لوكلاء متعددين غير السفراء الأربعة عقائدية
56 أهداف مقابلة المهدي (عج) للآخرين وحقيقة أسلوبها خلال غيبته الصغرى عقائدية
57 السفارات المزورة عن المهدي (عج) عقائدية
58 الخصائص العامة والمضمون الاجتماعي للسفارة عامة
59 أعمال السفراء عامة
60 نقاط الضعف في التأريخ الامامي الخاص بحوث ودراسات
61 نقاط الضعف في التأريخ الاسلامي بحوث ودراسات
62 مشكلات تاريخنا الخاص بحوث ودراسات
63 كيف نؤمن فعلاً بوجود المهدي(عج) عقائدية
64 كيف نؤمن بأن المهدي قد وجد عقائدية
65 حكمة عدم الظهور في الوقت الحالي عقائدية
66 الغاية من إطالة عمر الإمام المهدي(عج) عقائدية
67 الامكان العلمي لطول عمر الامام(ع) عقائدية
نبوءة الإيمان
نبوءة الإيمان

نبوءة الإيمان(1)
(1)
إنَّه مثل... مجرّد مثل... نبع خلال الكلام، وتلاشى بعد برهةٍ من الزمن، ولم يبق له إلَّا أثرٌ في الذهن، وصورةٌ في الخطّ.
وهذا هو شأن الأمثال على نحو العموم.
إلَّا أنَّ المثل العبقريّ، الذي ارتفع عن مستوى الأمثال العامّ، ذلك المثل الذي حلّق في أجواء الحكمة ونزل إلى أغوار الدقّة والصدق، فكان قوله نوراً، وقراءته هدىً، وفهمه إيماناً.
مثلٌ يفتح أمام الإنسان في أوّل الحديث صورةً لواقعه المؤلم ليراها، وليصدّق أنَّها تحكيه، وأنَّ هذا هو واقعه بعينه، واقعه الذي عاشه في غضون حياته، وأثناء معاشراته وتصرّفاته.
والمثل إذ يعرض هذا الواقع يعرضه على أنَّه واقعٌ مؤلمٌ فاسدٌ يجب أن يزول، ويجب أن يتحرّر منه الإنسان، وأن يرتفع عن مستواه. إنَّه واقعٌ شاذٌّ خطرٌ يجب تحويله.
وهنا، وفي هذه النقطة بالذات، يغلق المثل هذه الصورة المؤلمة، ليفتح أمامك صورةً رائعةً شيّقةً للواقع كما ينبغي أن يكون، وللمجتمع الأفضل المثاليّ في عقائده وأفكاره وأخلاقه، ذلك المجتمع الذي ينبغي أن يسود البشريّة لكي تستطيع أن تحلم حينئذٍ بالوصول إلى الكمال.
وليس على الإنسان بعد استيعابه لكلتا الصورتين، إلَّا أن يُحسن المقارنة والفهم، وإلَّا أن يفكّر وأن يهتدي.
وعندئذٍ ينقضي المثل، ويتلاشى جرسه خلال السطور، إلَّا أنَّ صداه يظلّ يرنّ في الأذن، ويجول في الذهن مرّةً من الزمن، حتّى تهضمه النفس، ويختمه في العقل. وعندئذٍ يثمر الهدى والإيمان والعقيدة الراسخة والإخلاص.
إنَّ هذا هو شأن مثَل القرآن، بما يستجمعه من إعجازٍ ودقّةٍ في التعبير والتصوير، وفي العرض والتحليل.
(2)
وهذا الذي سوف نقرأه ليس إلَّا مثلاً من الأمثال؛ فإنَّ القرآن لا يريد أن يُعترف له بأكثر من ذلك، حين يقول لرسول الإسلام العظيم (صلى الله عليه وآله): (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً)(2)، إلَّا أنَّه مثلٌ قرآنيّ، والمثل القرآني بما فيه من دقّةٍ وحكمة، عبارةٌ عن لوحةٍ رائعة، وقصّةٍ مثيرة تستهوي النفس وتلذّ الخاطر، وتتضمّن إلى جانب ذلك: الهداية إلى الحقّ، وتعيّن نقطة الصواب، تلك النقطة المنوّرة المشرقة التي ما حاد عنها إنسانٌ إلَّا تاه، وما أعرض عنها عقلٌ إلَّا فسد.
فنحن نستطيع أن نتميّز بوضوحٍ في هذا المثل القرآني الكريم، الأثر السيّئ الذي يُحدثه تكدّس المال لدى الإنسان من بطرٍ وشره، ومن كبرياءٍ وغرور، ومن نسيانٍ للعقيدة وإعراضٍ عن الإيمان، تلك الصفات السيّئة التي تجرّ صاحبها إلى هوّة الفساد، وتحرمه من الجمال والنور الذي ينتظره في ذلك الأُفق السامي الذي هبط عنه.
كما نستطيع أن نرى فيه مدى حرارة الإيمان وعمقه، ومدى دقّته وبُعد نظره، وما هي آثاره النفسيّة والعقليّة والخلقيّة على الفرد. ذلك الفرد الذي يرى أنَّ هذا الجوهر الثمين الذي يضمّه قلبه بين جوانحه من العقيدة والإيمان، خيرٌ من ملء الدنيا ذهباً وفضّةً ومغريات، وأنَّ الكمال الروحي العظيم والاطمئنان النفسي الجميل، الذي يقوده إليه الإيمان، أمرٌ لا يمكن أن يقاس بأيّ ثمنٍ معلوم.
كما أنَّنا نسمع في هذا المثل بوضوحٍ النغمةَ المعيّنةَ التي يخلفها كلّ من الموقفين في كلام الإنسان، والأُسلوب الخاصّ الذي تعكسه طريقة التفكير والحياة على الكلام، فنجد كيف يتّضع الكلام الصادر عن تلك الصفات السيّئة، على حين يرتفع كلام الإيمان إلى مستوى النور الإلهيّ الفسيح الذي يغمر الكون بإشراقه.
(3)
إذن، فهيّا معي إلى استعراض هذه القصّة الرائعة والمثَل الحِكمي القرآني الدقيق؛ لعلّنا نستطيع أن نقتبس شيئاً من أنواره، وأن نستشعر طمأنينة الإيمان التي يريد القرآن أن يلقيها بهذا المثَل إلى قلوب ذوي الألباب.
(4)
يرفع الستار في مفتتح القصّة عن رجلين.
يمثّل هذان الرجلان الإنسان بجميع ما فيه من قوى وملكات، وما تعجّ في ذهنه من أفكار، وما يمكن أن تؤثّر عليه من مؤثّرات؛ فإنَّ حياة الإنسان بما فيها من ملامح، وبما تتضمّنه من أفكار، وبما تقتضيه من سلوك، وما يصادفه الإنسان في أثنائها من عوائق أو محفّزات، وما يرى من غيره من تصرّفٍ أو يسمع من أفكار، كلّ ذلك له الأثر الكبير في بلورة شخصيّة الإنسان وخلق سلوكه وضغطه بالقالب الذي تقتضيه.
وكذلك كان الرجلان؛ فإنَّهما رغم تساويهما في الإنسانيّة، نراهما قد اختلفا اختلافاً كبيراً، وتباينا من حيث التفكير والسلوك، قد مثّل كلٌّ منهم جانباً من جوانب الحياة، راسماً ما يمكن أن تطبعه حوادثها في شخصيّة الإنسان من أثرٍ عميق.
مثّل أحد الرجلين جانب الحياة المادّي، بما فيه من تهالكٍ على اللذّة وعبادةٍ للشهوة وتكالبٍ على المال وعلى بهارج الدنيا وملذّاتها، وبما تستدعيه هذه الأُمور، من تفاهةٍ في الشخصيّة وسطحيّةٍ في التفكير وضعفٍ في العقيدة واغترارٍ بالحياة، وكبرياءٍ فارغةٍ بما يملك من مالٍ وعقارٍ وضياع، إلى آخر هذه القائمة الطويلة، ممّا تسبّبه الحياة المادّيّة المحضة للإنسان من شرٍّ وفساد، وما تلفّ به المادّة قلبه وبصيرته من أغشيةٍ صفيقة، لا يستطيع معها تمييز الأُفق الرحب المليء بالنور الوضّاء، ذلك النور الذي سوف يصافحه محيّياً بمجرّد أن يكسر الغشاء ويتحرّر من هذا الضيق القاتل المقيت.
وبذلك يكون الرجل المادّي مصداقاً واضحاً لقوله عزّ وجلّ: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)(3)، فإنَّه ليس هذا السدّ ولا ذاك الغشاء إلَّا عبارةً عن تأثير الأُفق المادّي على الإنسان ودورانه في بوتقة محسوساته، بحيث لا يمكنه أن يرقى ببصره إلى الكون الروحيّ الرحيب.
(5)
ويبدو هذا الرجل مغروراً متكبّراً، ببستانين نضرين، جعلهما الله له، مليئين بمختلف الزروع والأشجار، وبأنواع الأزهار والأثمار. فالأرض خضراء تطرّزها الورود وتعبق فيها الرياحين وينتشر في أرجائها موسيقى عذبة من أفواه البلابل والعصافير، ويعلوها سقوفٌ خضراء من شجر العنب، تتدلّى منها الثمار ناضرةً شهية. أمّا النخل فإنَّه يحوط الأرض من جوانبها.
فكانت هذه الأرض لوحةً فنيّةً رائعة، أبدعتها يد بارئها العظيم، فيها الرواء للذوق الفنّي، وتفريحٌ للقلب، ونشاطٌ للإنسان، وأُنسٌ للضمير بما تضفيه على النفس من روعةٍ وجمال.
وكان هذان البستانان - بما فيهما من روعةٍ وجمال- متجاورين، يفصل بينهما نهرٌ جارٍ، جعله الله تعالى لكي يزيد الأرض رواءً، والزرع نظرةً وجمالاً. فكان هذان البستانان يمثّلان لوحةً واحدة، هي من أجمل ما خلق الله من جمال الطبيعة الساحر الفتّان.
ولم تكن دنيا هذا الرجل الإقطاعي مقتصرةً على هذين البستانين، وإنَّما كان له إلى جانب ذلك، دارٌ كبيرةٌ تضمّ أُسرةً كبيرةً وأولاداً عديدين، وخدماً وحشماً وأصدقاء ومقرّبين. أولئك الأصدقاء الذين جلبهم رنين المال وأغراهم بريقه، فجاءوا إليه حيث يكون؛ لكي يعيشوا في كنفه ويقضوا حقبةً من أعمارهم في جواره، فهو كعبتهم التي حولها يدورون، وهدفهم الذي إليه يسعون.
فكان هذا الإقطاعي يقضي معهم أوقاتاً مادّية سوداء، يتمتّعون خلالها بقتل الوقت، وباللعب بالقيم، وتحدّي الفضيلة والأخلاق.
(6)
أمّا الرجل الآخر، فيمثّل جانب الإيمان بما فيه من اطمئنانٍ وسكينةٍ ووقار، ومن تواضعٍ وزهدٍ وصدق، ومن حكمةٍ وسدادٍ ورشاد، ومن توكّلٍ على الله عزّ وجلّ وإيكالِ جميع الأُمور إلى مدبّرها العليّ العظيم. إلى جانب ما يستلزمه الإيمان من رحمةٍ بالإنسان وعطفٍ عليه، وتوقانٍ إلى أن يهتدي ويرشد، وأن يعمّ في ربوعه الصلاح والوفاق.
وكان يؤسفه على وجه الخصوص حال أولئك الأغرار الجهلاء المنحرفين، الذين سيطرت على شعورهم بهارج الحياة وأعمتهم عن رؤية الحقّ واستنشاق نسيم الخلود، فقد كان يرى هذا المؤمن أنَّ هؤلاء قومٌ أغرار مخدوعون، نتج حالهم ذلك من الجهل بالقيم العليا والتعاليم الإلهيّة والأخلاق الفاضلة، والتغابي عنها والإعراض عن مقتضياتها. ولا يحتاجون في سبيل إعادتهم إلى الصراط السويّ إلَّا إلى إفهامهم حقيقة التعاليم الإلهيّة، ونقاط العدالة والسموّ فيها، ثُمَّ لا حاجة إلى أكثر من ذلك؛ فإنَّ مَن يعرف التعاليم الإلهيّة على واقعها، يُؤمن بها، من دون حاجةٍ إلى مقدّمةٍ أو دليل.
إنَّ دليل ذلك نورٌ موجودٌ في أعماق النفس منبثقٌ من فطرتها وجبلّتها، لا يمكن للإنسان مكابرته وإنكاره، إلَّا أنَّه قد تحول الحجب المادّية الثقيلة بين الإنسان وبين الاتّصال بفطرته وتلمّس حقيقة وجدانه، تلك الحجب التي أثقله بها الأُفق المادّي الذي انحرف نحوه، وانجرف أمام بهارجه ومغرياته.
ولا يحتاج الداعي في سبيل هدايته إلَّا إلى تنبيهه إلى ذلك النور وإفساح المجال أمامه؛ لكي يستطيع أن يشقّ حجابه المادّي، ويتمكّن من الدخول إلى ذات نفسه، ويتلمّس جذوة الإيمان فيها. وهو بمجرّد أن يلمس هذه الجذوة، فإنَّها سوف تطفح إلى الشعور، وتصبح شعلةً وهّاجةً تضيء أرجاء النفس بالعقيدة والإيمان.
(7)
وقد كان بين هذين الرجلين رابطةٌ مّا ومعرفةٌ خاصّة، لعلّها ناشئةٌ من السكنى في منطقةٍ واحدة، أو كون المؤمن مستأجراً لأحد الدور التي يملكها الإقطاعي.
وكان هذا المؤمن - على عادته في الرحمة بالمنحرفين- يأسف كثيراً على إسراف الإقطاعي على نفسه، وعبادته لشهواته، ودورانه في حلقةٍ مفرغةٍ من أمواله. وكم كان يتمنّى لو عرف طريق الحقّ واتّبع نهج الصواب، واستطاع تحطيم حجابه المادّي الضيّق [و]تلمّس النور الفطري في داخل نفسه.
وعليه، فقد كان يرى هذا المؤمن على نفسه واجباً دينيّاً في أن ينتهز أقرب فرصة، لكي يتوجّه بالنصح والإرشاد إليه، لعلّه أن يلتفت إلى واقع حاله وإلى قبيح أعماله، فيرتدع ويثوب إلى الحقّ والرشاد.
ويعتقد هذا المؤمن أنَّه بذلك سوف يفوز بمصالح كثيرة، فإنَّه سوف يطهّر نفس هذا الشخص من الدنس العالق بها، والصدأ الذي علاها. كما أنَّه سوف يخلّص المجتمع من بؤرة الفساد، [التي] قد خلقها هذا الرجل بمجونه وفسقه، ولعلّه يستطيع أن يحوّلها إلى بؤرة إيمانٍ وتقوىً وعقيدة. كما أنَّه من ناحيةٍ أُخرى يكون قد خدم عقيدته، ودعا إلى إيمانه بربّه، وإلى تعاليمه العادلة، وأرضى خالقه وضميره.
(8)
وفي أيّام الربيع الهانئة الوادعة الجميلة، التي تبهج القلوب وتسرّ النفوس، بما يرسمه الله عزّ وعلا، على الكون من جمالٍ طبيعيٍّ فتّان. في ذلك الفصل الراقص الرائع الذي يمتلئ به الأُفق بالخضرة والقلب بالفتنة، كانت بساتين هذا الإقطاعي قد بلغت أوج الجمال وغاية الزينة والسحر، وقد أخرجت جميع ما تستطيعه من الزرع والنخل والأعناب، والفواكه والأزهار (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا)(4)، أي: لم تدع شيئاً من النبات إلَّا أخرجته، ولم تبخس منه شيئاً.
في يومٍ من أيّام هذا الربيع الفاتنة، بدا للإقطاعيِّ أن يتنزّه في الحقول الخضراء، وأن يملأ عينيه من هذا الجمال، وصدره من الهواء العذب العليل. حتى إذا ما وصل بالتمشّي إلى بستانه، جلس فيه بعض الوقت.
إلَّا أنَّه لم يشأ أن تخلو نزهته من رفيقٍ؛ فإنَّ المصاحبة من مميّزات النزهة الرئيسيّة، التي لا توجد لذّتها الحقيقيّة بدونها؛ فإنَّ النفس البشريّة على طبق ما تفهمه من مقاييس اللذّة والجمال، لا ترى في التمشّي المنفرد تلك الفائدة والنشوة التي يجدها الإنسان إذا كان مصاحباً لرفيقٍ صديق.
ومن ثَمَّ عُرضت أمام الإقطاعي مشكلةُ تعيين هذا الرفيق، فهو يعلم بوضوحٍ أنَّ الرفيق المطلوب الذي تستكمل به النزهة متعتها، ينبغي أن يكون على جانبٍ من العقل والفكر، عارفاً بمزايا الأُمور وبطرق الأخذ بالحديث وبأساليب التسلية بمختلف الأفكار، كما أنَّه يعلم بوضوحٍ أن ليس في مَن حوله من الأصحاب والأصدقاء، إلَّا كلّ غبيٍّ وسخيفٍ ومنحرفٍ لا يعرف إلَّا الشهوة ولا يعبد إلَّا المال، خلوٍ من الثقافة والتفكير والشعور النيّر الصحيح.
إذن، فمَن ينبغي أن يكون الرفيق له؟
وفجأة تطفر إلى ذهنه صورة صاحبه المؤمن، إنَّه الشخص الوحيد الذي يعرف اجتماع شرائط النزهة فيه، فقد عهده عاقلاً وقوراً، يوحي منظره بالاطمئنان، وكلامه بقوّة العقيدة والإيمان. ومن ثَمَّ صحّ عزمه على أن يدعو هذا المؤمن ليصاحبه في نزهته المرتقبة.
(9)
ومن ثَمَّ أرسل عليه فحضر، وعرض عليه الفكرة، فرحّب شاكراً.
وفرح بذلك في سرّه. فقد علم أنَّه سوف ينفرد به في هذه النزهة، وسوف يكون ذلك خير فرصةٍ ثمينةٍ لتنفيذ هدفه فيه، والقيام بواجبه الديني الكبير، لعلّه يستطيع أن يهدي قلبه إلى الإيمان، وأن يتمكّن من إشعال جذوة النور في نفسه، واستئصال جذور الشكّ والفساد.
واستعدّا للخروج... ثُمَّ خرجا... وبدآ بالسير قاصدين بستان الإقطاعي على حسب الخطّة المرسومة. وصارا ينتقلان من جمالٍ طبيعيٍّ، إلى سحرٍ أخّاذ، إلى فتنةٍ رائعة، يتبادلان خلالها طرائف الكلام ولذيذ الحديث.
والكلام - كما هو معروف- عنوان الشخصيّة وصورتها الناطقة، التي تنطبع فيها جهات القوّة والضعف وجوانب النقص والكمال في نفسيّة الإنسان، على طبق الأصل وبشكلٍ موضوعيٍّ مستقيم؛ فإنَّ الإنسان بما يحمل من أفكارٍ وعقائد، وبما يتّصف به من درجةٍ في العاطفة والذكاء، وبما يسير عليه من أُسلوبٍ في الحياة، ذلك الأُسلوب الذي يميّزه عن غيره ويحدّد معالم شخصيّته المنفردة عن سائر شخصيات البشر، ذلك الأُسلوب الذي يراه بحسب نظره الخاصّ صحيحاً ومستقيماً، ويضفي عليه من غريزة (حبّ الذات) الشيء الكثير .. كلّ ذلك ينطبع في كلامه انطباعاً واضح القسمات.
وعلى طبق هذا القانون كان هذان الرجلان، حيث كان يميل كلٌّ منهما إلى التحدّث عمّا تجيش به نفسه من أفكار، وما تضمّه حياته من أحداث. ومن ثَمَّ كان كلام الرجل المؤمن حاملاً لصفات صاحبه، من الطمأنينة والوقار والعقيدة والإيمان، يضفي على الجوّ مسحةً رائعةً من النور الإلهيّ الشامل، على حين كان حديث الإقطاعي منحصراً في وصف لذائذه وشهواته، ودائراً في فلك عجرفته الفارغة وشخصيّته التافهة.
ولحظ المؤمن بوضوحٍ على لهجة الإقطاعي، ما فيها من تكبّرٍ واغترارٍ بالمال والعقار والأصدقاء. وقد كان صاحبنا يؤمن بعمق، أنَّ الإيمان هو الجوهر الوحيد الذي ينبغي أن يعتزّ به وأن يسمو الفرد على أساسه، وأن تقام القيمة الحقيقيّة للفرد من خلاله، وأنَّ الصداقة على أساس الإيمان والأخوّة في الله هي الأخوّة الخالدة الصادقة، التي لا يمكن أن تقصمها علائق المادّة، أو أن تؤثّر عليها طوارق الحدثان، وأنَّ المال النافع لصاحبهِ الباعث له على الفخر والاعتزاز، هو المال الذي يُبذَل في سبيل الحقّ والعقيدة وفي سبيل العلم والعمل الصالح؛ دون تلك الصداقة التي تقوم على أساس اللذّة وإطاعة الشهوات وعبادة المال، ودون ذلك المال الذي يُبذل في سبيل ذلك؛ فإنَّ كلّ ذلك يتلاشى بتلاشي اللذائذ المؤقّتة، وينقضي بتصرّم الزمان، ويكون سبباً لضعة الإنسان وانحطاطه، دون عزّته وكرامته.
ومن ثَمَّ حاول هذا المؤمن - وهو في سبيل تطبيق خطّته- أن يُفهم الإقطاعي هذا المعنى الجليل، وأنَّ تكبّره بالمال والنعم المادّية، تكبّرٌ فارغٌ مقيت؛ فإنَّه إنَّما تكون العزّة والكرامة بحقيقة الإيمان والعقيدة.
إلَّا أنَّ هذا المؤمن كان بكلامه ذلك، يطرق على حديدٍ بارد، فليس لدى هذا الإقطاعي عقلٌ يفهم به هذه الأُمور، ولا تفكيرٌ يهضمها، إنَّ ذهنه وأفكاره كلّها منحصرةٌ في أمواله وأولاده وأصدقائه وممتلكاته، ولا شيء غير ذلك، وهذا هو الذي يرى أنَّه ينبغي أن يفتخر به ويعتزّ.
وقد كان هذا الحجاب المادّي الصفيق الذي يحجبه عن منبع النور الإلهي، لا زال قويّاً كثيفاً، لم تقوَ كلمات الإيمان هذه على تحطيمه، أو إحداث ثغرةٍ فيه.
ومن ثَمَّ لم يجد الإقطاعي لكلام صاحبه المؤمن معنىً يفهمه ويعقله، إلَّا كون المؤمن يفتخر عليه، وأنه إنَّما يقرّر هذا القانون العامّ للتقييم، لكي يكون هو بمقتضاه أعظم منه، من حيث كونه مالكاً لجوهر الإيمان دونه.
وقد استنكر الإقطاعي في ذهنه هذه الفكرة واستبشعها، ورأى أنَّها حطٌّ من كرامته، وإهانةٌ موجّهةٌ إليه؛ إذ كيف يجرؤ هذا الشخص الفقير أن يدّعي العلوّ عليه، وهو ما هو عليه من الكبر والعزّة بالأموال والأصحاب والخدم والأعوان، وليت صاحبه يفاخره بأمرٍ معلومٍ لديه، محسوسٍ له، مقنعٍ لضميره، بل إنَّه ليفتخر عليه بشيءٍ فذّ لا يجد له أيّ معنى، ولا يرى له شخصاً أو يسمع صوتاً، إنَّه شيءٌ اسمه الإيمان، ذلك الشيء الذي طالما تردّد على أُذنيه، إلَّا أنَّه رغم إعطائه بعض التفكير لم يستطع أن يعرف له معنىً محدداً في يومٍ من الأيّام. إذن، فكيف يمكن أن يكون مثل ذلك ميزاناً واقعيّاً للتقييم.
ولم يجد الإقطاعي بُدّاً، بعد تلك الطعنة النجلاء على عزّته وكبريائه، من الإفصاح عمّا يجول في ذهنه من أفكار، إفهاماً لصاحبه المؤمن أنَّه كان على خطأ في رأيه، وأنَّ المقياس الحقيقي للحياة ليس هو ما ذكره، وإنَّما هو المكاثرة بالأموال والأولاد وبهارج العيش.
ومن ثَمَّ تدحرجت الكلمات من فمه بصفاقةٍ وسخف، فقال لصاحبه وهو يحاوره: أنا أكثر منك مالاً وولداً، وأجدر أن أكون بذلك عزيزاً كريماً.
(10)
واستمرّ الرجلان يسيران بين أحضان الطبيعة، يغرقان في جمالها، وينقلبان بين أكنافها، ويستنشقان نسيمها الرطب العليل. حتّى وصلا إلى هدفهما المقصود وهو بستان الإقطاعي، الذي كان أحسن جنّةٍ مرّا بها في هذه النزهة الجميلة.
إلَّا أنَّ انطباع هذه المناظر الطبيعيّة الرائعة، في نفس كلِّ واحد من هذين الرجلين، كان مختلفاً جدّاً، ومبايناً عمّا هو في نفس الآخر؛ فإنَّ الإنسان إنَّما ينظر إلى الواقع الخارجي من خلال نفسه، وبمنظار ذهنه الخاصّ، وعلى مقدار ما يتحمّله أُفق تفكيره وأُسلوب حياته. ويحاول أن يملي على محسوساته أفكاره الخاصّة ويطبع عليها مفاهيمه المعيّنة. وإن كان هذا الأُسلوب من الفهم لا ينفع في أغلب الأحوال إلَّا شخصه، بل قد يضرّه (أحياناً) أيضاً، وقد لا يكون له من المميّزات سوى كونه راضياً به معترفاً بصحّته وصدقه.
وهذا هو الذي حصل بالضبط بالنسبة إلى هذين الشخصين. فقد كان المؤمن - بما يحمل بين جنبيه من عقيدةٍ إلهيّةٍ وإيمانٍ راسخ، وفي حدود ما انصهرت به نفسه من أفكارٍ، وامتزج مع دمه من معتقدات- كان ينظر إلى الكون من خلال هذا المنظار ويحاول أن يفهمه ضمن هذه الحدود.
إنَّه ليرى الطبيعة بما لها من جمالٍ فاتن، وتنسيقٍ دقيق، إنَّما هي من صنع يدٍ قادرةٍ حكيمة، أحكمت صنعها ودبّرت أمرها وأحسنت خلقها، وأنَّ في كلِّ ورقةٍ ووردةٍ وثمرة، وفي كلِّ عصفورٍ صادح، وبلبلٍ مغرّد، وشجرةٍ مثمرة، ونسيمٍ عليل، أكثر من آيةٍ ودليل، على وجود مبدعها ومكوّنها؛ فإنَّها لم تكن لتوجد لولا ما أفاضه عليها من فضلٍ وإحسان، وما رزقها من تدبيرٍ وإحكام.
وبالاختصار: فإنَّ هذه الطبيعة الجميلة التي يعيشها هذا المؤمن، إنَّما هي لوحةٌ فنيّةٌ رائعةٌ رسمتها يد بارئها القدير بدقٍّة وإتقان.
وعليه، فقد كان هذا المؤمن في نزهةٍ وجدانيّة روحيّة، كما هو في نزهةٍ مادّيّة، يتفكّر في خلق الله عزّ وجلّ طبقاً لقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ)(5).
أمّا الإقطاعي، ذلك الرجل الذي يحمل بين جنبيه فكراً مادّيّاً، وعقيدةً متفسّخة، ونفساً توّاقة إلى المال والشهوات، فهو ينظر إلى الطبيعة بعينٍ أُخرى، عينٍ تقتصر على الظواهر وعلى ما تحسّه وتلمسه، ولا تستطيع - بما عليها من أثقال وأغشية- أن تغور إلى الحقائق، ولا أن تدقّق في العلل والنتائج.
فهو يرى أنَّ الجمال الطبيعي بما فيه من روعةٍ وسحرٍ باقٍ إلى الأبد، غير قابلٍ للزوال والفناء، فقد كانت الطبيعة هكذا ولا تزال، وستبقى على نفس المنوال أزليّةً أبديّةً بدون أن تحتاج في وجودها إلى خالق، ولا في تدبيرها إلى منظّم.
وقد أيّدت هذه الأفكار في ذلك الحين، وأذكت أوارها، النشوة النفسيّة العارمة التي كان يعيشها في تلك اللحظات السعيدة الحالمة، تلك النشوة التي يضفيها عليه جمال الطبيعة العظيم، بالإضافة إلى إحساسه بأنَّه مالكٌ له، مسيطرٌ عليه، قادرٌ على التصرّف فيه وتطويره، وأنَّ له الحقّ الكامل بالأخذ بأكبر قسطٍ من التكبّر والعجرفة على أساسه.
(11)
وجلس الرجلان في ركنٍ جميلٍ من أركان الجنّة الواسعة، وانطلقت نفساهما تجول بين ما فيها من جمال، وما تحتويه من سحرٍ وجلال.
وفي غمرة ذلك السرور الطاغي والنشوة اللذيذة، جالت في ذهن الإقطاعي أفكارٌ وأفكار. وكانت كلّ أفكاره مؤيدةً لما يملكه من عجرفةٍ جوفاء، وتفاهةٍ في الشخصيّة، وقصورٍ في التفكير، فكّر الإقطاعي في هذا الجمال الطبيعي، وفكّر في أرضه، وفكّر في أمواله وأصدقائه، وفكّر في عقيدته وفي ما سبق أن سمعه من دعاة الدين من كلام. وكانت أفكاره جميعاً تصدر من خلال أُفقٍ مادّي ضيّقٍ يقيس الأشياء بمصالحه الشخصيّة ومحسوساته المباشرة.
ففي تلك اللحظة التي كانت نفسه طافيةً فوق أُفقٍ أشقر جميل، ذلك الأُفق الذي حبكت سداه اللذّة ولحمته النشوة، ذلك الأُفق الذي يجد فيه المؤمن نعمةً من أنعم بارئه الكريم، ونفحةً من نفحات قدسه الفيّاضة.
في تلك اللحظة كانت الأفكار المادّية تجول في ذهنه بقوّةٍ وعنف، وتلحّ عليه إلحاحاً شديداً، وكان الإقطاعي مرحّباً بها، فرحاً بوجودها، مطمئنّاً إليها.
عندئذٍ، وفي تلك اللحظات التي يحلو بها جميل الكلام، وتستعذب فيها طرائف الحديث، لم يرَ هذا الإقطاعي بدّاً من أن يصرّح بذات نفسه، ويعرب عمّا في ذهنه لصاحبه المؤمن، علّه يتمكّن من إذلال كبريائه بإيمانه، وترفّعه بعقيدته، تلك الكبرياء وذلك الترفّع الذي لمسهما منه وهو في طريقه إلى جنّته، كما أنَّه يستطيع بذلك أن يعزّز كبرياء نفسه، ويستدلّ بدليلٍ جديد، على استحقاقها لما هي فيه من العجرفة الفارغة.
إنَّه يعرف أنَّ صاحبه مؤمنٌ مخلص، قد تشبّعت نفسه بنور الإيمان واطمأنّتْ إلى اليقين، كما أنَّه لم يفتْه تذكّر بعض معتقداته من وجود الخالق جلّ وعلا، وفناء العالم وقيام الساعة، تلك المعتقدات التي لم يفكّر الإقطاعي أن يسمح لها لأن تعرف إلى ذهنه طريقاً أو إلى قلبه سبيلاً، محتجباً ضدّها بأكداس المال وأغشية المادّة الصفيقة التي تمنعه من الوصول إلى هذا المرتقى الرفيع.
وحيث إنَّه يعرف أنَّ الكلام مع كلِّ شخصٍ ينبغي أن يكون في حدود ما يحمله المخاطب من أُفقٍ ذهنيّ، ومن أُسلوبٍ في التفكير والتعبير. إذن، فقد فكّر بأن يجعل كلامه مناقشةً مباشرةً لمعتقدات صاحبه المؤمن، وأن يحاول الاستدلال جهده على بطلانها، جاعلاً الأفكار المادّية هي البرهان الرئيسيّ على ذلك.
(12)
وفي غمرة من السرور، بدا الإقطاعي وكأنَّه حالمٌ يبعث بنظره إلى الأُفق البعيد، قد أخذ عليه جمالُ الطبيعة جميعَ جوانب نفسه واستولى على ذهنه، وبدا وكأنَّه يفكّر في شيءٍ جديد، شيءٍ يدور على لسانه يريد التصريح به. وأصاغ صاحبه المؤمن إليه ليسمع. عندئذٍ برزت الكلمات تتهادى بين طيّات الهواء بنشوةٍ وفتور، حتّى إذا ما وصلت إلى أُذن المؤمن سمعه يقول: (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا)(6).
قالها الإقطاعي ولم يرعَ عواطف صاحبه المؤمن وعقيدته، كما لم يلتفت إلى وجوب مجاملة الجليس وحسن مخالطته، وإنَّما ألقاها صخرةً صمّاء لم يفكّر بنتائجها، ولم يعرف مدى تأثيرها.
فهو يرى، بما كان يعيشه في تلك اللحظات من نشوةٍ نفسيّةٍ عارمة، ضيّقت عليه أُفقه المادّي، وأعمته عن الحقيقة، وجعلته يخبط في الظلام، يرى بأنَّ هذا الجمال الطبيعي غير قابلٍ للزوال إلى الأبد، وأنَّ هذه الجنّة الغنّاء بما فيها من روعةٍ طبيعيّةٍ وسحرٍ ستبقى بلا انقطاع.
وهذا في نفسه أمرٌ مضحك، وواضح البطلان، حتّى للشخص المادّيِّ التفكير، الدنيويّ العقيدة، فإنَّه لا أقلّ من الاعتراف بالموت وتقلّبات الزمان وأنَّ هذه الجنّة سوف يمرّ عليها زمان مهما طال، تكون بعده خارجةً عن ملكه أو معدومة النبات بالكليّة. إلَّا أنَّ الغفلة وقصور التفكير وتفاهة الشخصيّة، لا يُستغرب منها مثل ذلك.
إلَّا أنَّ هذا الأمر المضحك، يحتوي ضمناً على أمرٍ آخر يشترك فيه هذا الإقطاعيّ مع سائر المادّيين، وهو القول بقدم المادّة، والقول بذلك وإن لم يكن يستلزم على الحقيقة نكران الخالق القدير عزّ شأنه، إذا كان الشيء القديم ممكناً أيضاً ومحتاجاً إلى علّةٍ خالقة، ولا يختلف في ذلك عن الحادث في شيء، إلَّا أنَّ هذا القول قد أصبح شعاراً مادّياً يتمسّك به ذووه، ويصرّون عليه إصراراً شديداً، فإنَّهم بعد أن أنكروا الخالق، لم يجرؤوا على القول بأنَّ الكون وُجد من العدم صدفةً دفعةً واحدة على تنظيمه المعهود، لعلمهم أنَّ هذا ممّا تستنكره العقول، فالتجأوا إلى فرض أزليّة المادّة وعدم قابليّتها للفناء؛ لكي يبرّروا وجود الكون من العدم، ولم يعلموا أنَّهم بذلك وقعوا في عدّة محاذير، فليست هذه الأزليّة في المادّة ممّا يخضع لمعمل العالم الطبيعي ولا لإحساسه، فكيف يستطيع دعوى ذلك، وهو إنَّما أنكر الخالق لنفس هذا السبب.
إذن، فليعترف بالخالق إلى جانب اعترافه بقدم المادّة؛ فإنَّه ليس أبعد منها عن الحسّ وعن مدركات الحياة المعهودة.
كما أنَّ هذا القول لا يفيدهم في الإنكار، بعد أن كان القديم محتاجاً إلى العلّة كالحادث، بعد اشتراكهما في صفة الإمكان. كما أنَّ هذا القول من ناحيةٍ ثالثة، وقوعٌ بالمحذور نفسه، ورجوعٌ إلى ما حاولوا الهرب منه في دائرةٍ مفرغة. فإنَّه لم يبقَ بعد الاعتراف بقدم مبدأ الموجودات إلَّا معرفة صفات المبدأ، والبرهنة على أنَّه يجب أن يكون حكيماً قادراً عالماً حيّاً مريداً مختاراً، وليس ذلك على أهل الحقّ بعزيز.
فالإقطاعي، وإن لم يكن يعرف هذه التفاصيل، إلَّا أنَّه يتخيّل أنَّ قوله بقدم المادّة ملازمٌ لإنكار الخالق عزّ وعلا، وكفر نعمته، وأنَّه ملازمٌ لإنكار البعث في يوم القيامة وإنكار الحساب والعقاب والثواب، لذا فقد استنتج من مقدّمته المادّية القائلة بخلود الجمال الطبيعي، بأنَّه لا يظنّ الساعة قائمة.
ولوازم هذه المقدّمة، ليست أحسن منها حظّاً في الانحطاط وضيق النظر، فإنَّه إنَّما يتفوّه بها مَن اقتصر على النظر إلى حدوده الضيّقة ودار في فلكه المادّيّ المقيت، ولم ينظر إلى النور المشرق في الكون الرحيب، ذلك النور الإلهيّ الذي تنطق به كلّ ورقةٍ في هذه الجنّة وكلّ ثمرةٍ وكلّ طير.
ثُمَّ أردف الإقطاعي المتعجرف، وكأنَّه في موقف جدلٍ عنيف: إنَّه على تقدير التنازل عمّا قاله، وافتراض قول المؤمنين بوجود الخالق وقيام الساعة صحيحاً، فإنَّ هذا الإقطاعي لن يجد على ما يعتقده - إذا رجع إلى ربّه يوم القيامة- إلَّا كلّ خير، وسوف يتوفّر لديه هناك ما هو خيرٌ من جنّته هذه على كلِّ حال.
وكأنَّ الإقطاعي يريد أن يستنتج من هذا الكلام، أنَّه سعيدٌ ولن يرى إلَّا الخير على كلِّ حال، سواء كان معتقد المؤمنين صادقاً أو كاذباً، فإنَّه إذا كان كاذباً، كما هو يراه، وإذا كانت المادّة خالدةً والنعيم الدنيوي أزليّ البقاء، إذن فسوف يبقى متمتّعاً به متقلّباً في أكنافه إلى الأبد، وإذا كان قولهم صادقاً فهو لن يرى يوم القيامة من خالقه العظيم إلَّا الخير.
ولعلّ اعتقاده هذا ناشئٌ من اعتقاده - ولو بشكلٍ لا شعوري- بأنَّ الله تعالى خيرٌ محض، ولا يمكن أن يصدر منه إلَّا الخير، ويستحيل صدور العقاب منه، غافلاً عن أنَّ معنى كونه خيراً محضاً، أنَّه حكيمٌ ومريدٌ، وأنَّه عادلٌ يستحيل عليه الظلم، وليس من العدل ولا الخير أن يثيب المذنب الكافر به، المتمرّد على تعاليمه، ومن هنا كان جعل العقاب أحد الحكم الإلهيّة العميقة في الدقّة والإتقان.
(13)
اندهش المؤمن واستاء وتكدّر عليه صفو نفسه، عند سماعه هذا الكلام المنحرف من هذا الإقطاعي العنيد. إنَّه المؤمن الذي يعيش الآن في نشوةٍ روحيّةٍ غامرة، كما يعيش في النشوة المادّيّة، إنَّه يرى في كلِّ نفسٍ من أنفاس الطبيعة، وكلّ ورقةٍ من أوراقها وزهرةٍ من أزهارها، دلائل وبراهين على صدق معتقده وإيمانه.
هذا المؤمن يجد نفسه الآن يجابه مثل هذا القول الحادّ القارس الذي يقابل معتقده وجهاً لوجه، ويحاول أن يستدلّ ضدّه.
إنَّه ليعلم بوضوحٍ أنَّ كلّ ما قاله الإقطاعي ليس إلَّا مكابرةً واضحةً على الوجدان والضمير، وليس ناتجاً إلَّا عن الاقتصار في التطلّع إلى الكون من خلال المنظار المادّي الضيّق الذي وضعه الإقطاعي على عينيه، بإسرافه على نفسه وإغراقه بالفساد والرذيلة، كما أنَّ هذا القول مصداقٌ واضحٌ لكفر العبد لنعمة مولاه وتمرّده عليه، مع أنَّ المولى - عزّ وعلا- هو المنعم عليه، وهو مستحقّ لكلِّ شكرٍ وثناء، وكلّ إخلاصٍ وإيمان.
ومن هنا رأى المؤمن أنَّ فرصته الذهبيّة قد حانت، وأنَّه لا يمكنه أن يضيّعها بحال، فإنَّه قد لا يجد مثلها بعدئذٍ.
فإنَّه وجد أنَّ واجبه الديني يقتضي عليه بإصرارٍ ووضوح، أن يردّ على هذا الافتراء الفاضح، بعد أن أفصح هذا الإقطاعيُّ عن مكنون سرّه، وأعلن الكفر والجحود، ولم يكتفِ بالإشارة والتلميح وفحوى الخطاب الذي كان يكتفي به قبل ذلك. إذن، فلا ينبغي أن يكتفى معه بالإشارة والتلميح بل ينبغي أن يقوم المؤمن بواجب التوجيه الديني والإرشاد بصراحةٍ وقوّةٍ ووضوح، ويجب أن يلقم هذا الإقطاعيَّ المتعجرف حجراً لا يعود بعده إلى مثل هذا الكلام.
ومن هنا اندفع المؤمن بحرارةٍ وقوّة نحو الجواب على كلام الإقطاعيّ، غير مبالٍ بما يمكن أن يترتّب على ذلك من ضررٍ قد يمسّه منه؛ فإنَّ الواجب الديني فوق كلّ اعتبار، كما أنَّ الصدمة التي أصابت ضمير هذا المؤمن من هذا الكلام الجارح، أغفلته عن التفكير في مثل هذه العواقب، بل وحتّى على فرض عقاب الإقطاعيّ له، فإنَّه سوف يرى عليه من ربّه العليّ العظيم من الثواب الشيء الكثير.
و(قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً)(7).
فقد رأى المؤمن أن يلفت نظر الإقطاعي أوّلاً إلى أقرب شيءٍ إليه وألصقه بنفسه، هو نفسه بالذات وكيانه ووجوده، كرجلٍ من الرجال يفكّر ويعمل ويملك المال والعقار والأصدقاء، ويستنشق نسيم الحياة، ويستطيع أن يتمتّع بكلِّ ذلك وأن يجني ثمراته كما يريد.
إنَّ كلَّ هذا متوقّفٌ على وجوده الشخصي في الخارج، ذلك الوجود الذي هو من فيض الله وإحسانه وفضله، ذلك الوجود الذي يدلّ بكلِّ جزءٍ من أجزائه وبجميع معالمه وتفاصيله، على قدرة خالقه العظيم وحكمته البالغة.
وما رأيك بهذا الذي أفاض على الشخص نفسه ووهبه ذاته، وجعله شاعراً بوجوده متمتّعاً بكيانه، إنَّها أعظم النعم على الإطلاق في هذا الكون الفسيح، فإذا كان قد وهبه إلى جانب ذلك فكراً ثاقباً أو مالاً جسيماً أو حياة سعيدة، فذلك مزيد فضلٍ وإحسان.
ما رأيك في هذا المنعم العظيم كيف ينبغي أن يطاع وكيف ينبغي أن يزجى له أقصى الشكر وغاية الحمد والثناء، فضلاً عن أن يعتَرف به أو يصدَّق بوجوده. بل إنَّ هذا المؤمن ليرى أنَّه من حقّ خالق النفس على النفس، أن تفنى هذه النفس في سبيله، وأن تكرّس حياتها على طاعته ومرضاته.
إذن ما أفظع هذا الكفر والجحود الذي صدر من هذا الإقطاعي، وهذا الإنكار المباشر لربّه ولتعاليمه وإرشاداته، ذلك الربّ القادر العظيم الذي خلقه من ترابٍ ثُمَّ من نطفةٍ ثُمَّ سوّاه رجلاً.
والمقصود من خلق الإنسان من التراب: أنَّ الجسم مكوّنٌ من نفس الموادّ التي تتكوّن منها القشرة الأرضية، كما أنَّ نموّه وصحّته منوطةٌ بما يخرج من الأرض من النبات وما ينمو عليه من حيوان.
فالإنسان من التراب وإلى التراب؛ ولذا صحّ جعل التراب المرحلة الأُولى من مراحل خلق الفرد، على أساس كونه المادّة الأساسيّة في تكوين جسمه.
وأمّا المرحلة الثانية للخلق، فهي النطفة واعتبار النطفة مرحلةً ثانية، مع أنَّها المبدأ الأوّل لخلق الإنسان، يعود إلى أنَّها بدورها مكوّنةٌ من التراب ومخلوقةٌ منه بطريقٍ غير مباشر، ذلك التراب الذي اعتبر المرحلة الأُولى في الخلق.
والنطفة، ذلك الماء اللزج المهين، الذي لا يزيد في نفسه شرفاً، على أيّ من فضلات الإنسان، نراه يتطوّر ويتطوّر، ويعبر المراحل إثر المراحل، فيصبح جنيناً ثُمَّ طفلاً، ثُمَّ صبيّاً ثُمَّ رجلاً، حاملاً لجميع صفات الإنسانيّة من قلبٍ وفكرٍ وعمل، مفتوحةٌ أمامه باب الآمال ومدارج الطموح.
كلّ هذه المراحل - بما فيها من تطوّراتٍ دقيقة وتفاصيل- إنَّما هي آيةٌ من أوضح الآيات على قدرة خالقها وحكمته، وعلى صواب تدبيره وحسن اختياره؛ كما قال الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)(8). فما كانت كلّ هذه المراحل لتوجد وكلّ هذه الدقّة لتكونَ، نتيجةً للصدفة العمياء، وبشكلٍ عفويّ لا أثر للقدرة والاختيار فيه.
إذن، فما أولى الخالق العظيم بالشكر والامتنان، وبالعقيدة والإيمان.
ومن هنا نرى هذا المؤمن يعنّف الإقطاعي على كفره بخالقه، وجحوده لنعمته عليه بنفسه ووجوده، وبما يحفّ هذا الوجود من مالٍ وعقار، وأصدقاء وأعوان، وقدرةٍ على التمتّع بكلِّ هذه الأُمور، وتفكيره بتدبيرها وتطويرها.
(14)
ويستنتج هذا المؤمن من دليله هذا، برهاناً جديداً على صدق معتقده وصواب إيمانه، وأنَّه لا يمكنه أن يوافق الإقطاعي على هذا الكفر والجحود الذي بدر منه، وإنَّما هو يقف على النقيض منه في الإخلاص لله والتوجّه إليه والتوكّل عليه.
ولذا نراه قد أردف قائلاً: (لَكِنَّا) أي: لكن أنا (هُوَ اللَّهُ رَبِّي)، وهذه هي النتيجة الطبيعة للدليل الذي أقامه (وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً).
وهذه أيضاً نتيجة طبيعيّة أُخرى لذلك الدليل بعينه، فإنَّه لا يمكن كما تحكم به فطرة العقل، أن يصدر ذلك الخلق المنظّم الدقيق من خالقين، وأن يقوم بتدبير الكون قوّتان، وإلَّا آل إلى الخراب والفساد؛ لأنَّهما إن كانا مستقلّين بالإرادة، كما هو مقتضى فرض كونهما إلهين، فسوف يختلفان في الرأي؛ حيث يريد أحدهما إيجاد شيء، ويريد الآخر عدمه، فيلزم اجتماع النقيضين، أي: اجتماع الوجود والعدم في شيءٍ واحدٍ في عين الوقت، وهو من المحالات العقليّة البديهيّة، كما أنَّه عند اختلاف الرأي وانشقاق عصا الاتّفاق يتبعثر الكون ويسوء النظام ويستحيل أن يبقى بهذا الكمال وهذه الدقّة في التنظيم والترتب.
كما أنَّ هذا القول من المؤمن يحتوي على إشارةٍ واضحة، إلى تعنيف الإقطاعي من ناحيةٍ أُخرى، هي كون الإقطاعي قد أشرك في كلامه السابق بالله عزّ وجلّ، على حين قد أقام المؤمن دليلاً على بطلان الشرك وصحّة التوحيد.
وإنَّما كان الإقطاعي مشركاً؛ لأنَّه مخلصٌ للمادّة متهالكٌ عليها، جاعلٌ إيّاها هدفه الأسمى ومثَلَه الأعلى، يعبدها ويقدّسها ويقوم بخدمتها بحرارةٍ وإخلاص. بالإضافة إلى أنَّه اعتبر هذا الموجود المقدّس عنده أمراً أزليّاً أبديّاً غير قابلٍ للزوال.
وهذا الأُسلوب من النظر إلى المادّة، يجعل الفرد مشركاً للمادّة مع الله تعالى في العبادة والتقديس والإخلاص، وهذا هو عين الشرك بالله العليّ العظيم، تماماً كما قال في كتابه الكريم: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)(9).
فإنَّ مرتبة الحبّ الإلهي ينبغي أن تبقى في قلب المؤمن محفوظة، لا يشاركها في مرتبتها شيءٌ، وذلك هو التوحيد الإلهيّ الصحيح. أمّا إذا ضعف الحبّ الإلهيّ في النفس أو انعدم، وبرز أمرٌ آخر من داخل النفس يحاول أن يسيطر على إحساسها ويستولي على حبّها وتقديسها، ممّا لا يمتّ إلى الجانب الإلهيّ بصلة، فإنْ رَضِيَ الفرد بذلك فقد أشرك الله تعالى في إخلاصه وحبّه مع أمرٍ آخر، الذي هو لا يعدو أن يكون أحد مخلوقاته، وأمراً متواضعاً حقيراً إذا نسب إلى الوجود اللانهائيّ العظيم، سواء كان هذا الأمر هو المادّة أو الشهوات أو الأغراض المنحرفة، أو غير ذلك من الأُمور.
(15)
إذن، فهذا المؤمن المخلص ليرى بوضوح، متفرّعاً على ما قاله: أنَّ هذا الإقطاعي لا ينبغي له أن يكفر بالله العليّ العظيم، ولا أن يجحد نعمته، ولا أن يشرك به شيئاً في الإخلاص والإيمان والحبّ؛ فإنَّ جميع هذه النعم التي يتقلّب خلالها ليست إلَّا من رزق الله تعالى وإفاضته وحسن توفيقه له.
إذن، فينبغي أن يشكر الله ويحمده، ويتوجّه إليه ويتوكّل عليه، ويذكره عند رؤية أيّ نعمةٍ من نعمه، أو تذكّر أيّ فضل من آلائه.
لذا نرى صاحبنا المؤمن يعقّب كلامه مع الإقطاعي قائلاً: (وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ)(10) كان؛ فإنَّ هذه الجنّة إنَّما وُجدت بفضل الله ومشيئته، ولم تكن لتوجد لولا إرادته وفضله (لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ)(11) أمام طوارق الحدثان وحوادث الزمان.
فإنَّ هذا هو الأجدر بك - يا إقطاعيّ- أن تكونه، أمام نعم الله عليك وحسن توفيقه لك.
(16)
كما أنَّ صاحبنا المؤمن يرى بعمق، أنَّ المادّة لا يمكن أن تكون هي الضابط الكلّي للتكبّر والعزّة، فإنَّ الموازين الروحيّة والعقليّة هي الأجدر بأن تكون كذلك؛ فإنَّ هذه الموازين هي الأطول بقاءً والأعمق أثراً، إنَّها هي الموازين الحقيقيّة الخالدة التي لا يمكن أن تتغيّر إلَّا نحو السموّ والارتفاع.
أمَّا المادّة، فهي بالرغم ممّا فيها من جمالٍ وسحر، وما تتضمّنه من بهارج ومغريات، وما تسبّبه من لذّةٍ ونشوة، فإنَّها فانيةٌ زائلة، غير قابلةٍ للبقاء الطويل، فضلاً عن أن تكون أمراً أزليّاً أبديّاً. فإنَّه حتّى على تقدير القول بقدم المادّة، إلَّا أنَّ الأمر الذي يفتخر به الإقطاعي ويتكبّر على أساسه - وهو المال والجمال- أمرٌ زائل لا محالة بالوجدان، ومتصرّمٌ بانقضاء الزمان.
فكيف يمكن أن يكون هذا الأمر المتحوّل الزائل ميزاناً حقيقيّاً صحيحاً، لشرف المرء وعزّته وكرامته.
بل يمكن أن يُقال أكثر من ذلك، فإنَّ النعمة قد تزول عن الغنيّ، ويتلبّس بها الفقير، فيتّضع الأوّل ويصعد الثاني، بهذا المقياس الضيّق المقيت. فإذا تبدّل الحال مرّةً أُخرى، انعكس الميزان ... وهلمّ جرّا. إذن، فألف سلام على الأذواق والعقول.
لذا نرى هذا المؤمن يعقّب كلامه للإقطاعي قائلاً: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا)(12)، أي: بالرغم من أنَّك تراني الآن أقلّ منك مالاً وولداً (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ)(13)، وهذا أمرٌ محتملٌ، وليس على قدرة الله وحسن توفيقه بعزيز، وحينئذٍ فأكون خيراً منك، لو أخذنا بمقياسك المادّي الضيّق.
أمَّا أرضك العامرة، بما فيها من جمالٍ طبيعيٍّ فاتن، فإنَّه يهلكها ويفنيها بقدرته جلّ وعلا (وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا) آفةً (مِنْ السَّمَاءِ)(14) كالصاعقة أو الإعصار، والمقصود من إرساله من السماء كونه يأتي من جهة العلوّ في قبال كونه نابعاً من باطن الأرض، كالبركان أو حادثاً على سطحها كالفيضان والحريق (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا)(15)، أي: أرضاً ملساء يزلق عليها الإنسان، وهو كناية عن انعدام أيّ شيءٍ من النبات فيها.
وعندئذٍ سوف تكون أنت أحطّ منّي بحسب مقياسك، وسوف لن تستطيع أن تفخر عليّ بأيّ شيء.
وهذا أيضاً محتمل الوقوع، بل مؤكّده. فإنَّ هذا المؤمن يعتقد بما عنده من عقيدةٍ وإيمانٍ إلهيّ، وبما يعلمه من تجارب السابقين في تاريخ البشريّة الطويل، بأنَّ الجحود إذا بلغ إلى هذه المرتبة العظمى من الصلابة والرسوخ ومن العناد والتمرّد، فإنَّ الله تعالى لا يمكن أن يبقي صاحبه على حاله سادراً في غيّه، وإنَّما لا محالة يسلب نعمته منه ويقتطعها من يده، وبذلك فإنَّ الجاحد يرى عقابه في الدنيا قبل الآخرة.
وما ذلك إلَّا لأنَّ مثل هذا الشخص المعاند، لم يعد أهلاً لتلقّي النعمة والتقلّب بالفضل الإلهي؛ فإنَّ الشخص الذي هو أهلٌ لبقاء النعمة وزيادتها، إنَّما هو من تعهّدها بالشكر والثناء على المنعم المتفضّل عزّ وعلا، طبقاً للقانون الذي قرّره عزّ وجلّ في قوله في كتابه الكريم: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)(16).
وفي الحقيقة أنَّ الإقطاعي كان بحاجةٍ - في سبيل التفاته إلى نفسه، ومعرفته لربّه، وخروجه عن غيّه- إلى مثل هذه الرجّة العنيفة. فقد كان بالغاً مبلغاً من التحجّر والجمود، بحيث لا يمكن أن يؤثّر فيه الكلام ولا الوعظ والإرشاد مهما كان بالغ التأثير قويّ النبرة، فإنَّ للكلام مرتبةً من التأثير يقف عند نهايتها، ولا يمكنه أن يؤثّر في مثل هذا الشخص أو أن يكسر حجابه المادّي الصفيق، بعد أن استحال هذا الحجاب إلى عمىً في عينيه وصمم في أُذنيه عن رؤية الحقّ وسماع صوته، فكان مصداقاً واضحاً لقوله عزّ من قائل: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)(17).
وإنَّما يحتاج مثل هذا الشخص إلى صدمةٍ قويّة، تصيب مصالحه الشخصيّة بالضرر، وشهواته وأمواله بالتلف والانحطاط، صدمة تأتي بعد الوعظ والإرشاد والإنذار، وتكون كنتيجةٍ لها وأثرٍ من آثارها، بحيث يعلم الجاحد بوضوح أنَّه إنَّما أُصيب بها لأجل جحوده وكفره.
إنَّ مثل هذه الصدمة فقط يمكنها أن تعيد هذا الجاحد إلى رشده والصواب إلى ذهنه، وتكون له دليلاً على سوء مسلكه السابق وقبح عقيدته، كما تبرهن له على صحّة الإيمان وصدق عقيدة المؤمنين.
(17)
لذا فإنَّ الإقطاعي لم يعر - وهو في غمرة تلك النشوة والسرور- إذناً صاغيةً لحديث صاحبه المؤمن، على ما فيه من حكمةٍ بالغةٍ وتهديدٍ شديد، ولم يفكّر أن يسمح لها أن تدخل في ذهنه لحظةً من الزمان، بل لعلّه أنال صاحبه المؤمن بعض المكروه نتيجة هذا الكلام الصريح معه.
إلَّا أنَّ الحكمة الإلهيّة التي كانت تستعرض حال هذين الرجلين ومحاورتهما عن كثب، رأت لزوم تطبيق هذا القانون الذي أدركه المؤمن وأعرب عنه، وأنَّه قد حان الوقت لإنزال العقاب على هذا الإقطاعيّ المتعجرف، وخاصّة بعد أن سمع الموعظة البالغة ولم يعر لها أذناً صاغية.
(18)
ولم يمضِ بعد انفضاض تلك الجلسة زمانٌ طويل إلَّا (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ)، فقد تناهى إلى سمع ذلك الإقطاعي احتراق نباته وتلف أرضه، وتكدّس الزرع فوق الأرض ذابلاً مصفرّاً.
(فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ) أسفاً (عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا)(18) من المال والعناية؛ فإنَّ كلّ ذلك يبدو الآن ولا أهمّية له ولا أثر، بعد أن هلك نباته وأصبحت أرضه (خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)(19) أي: سقطت عروش العنب بما تحمل من كروم على وجه الأرض.
وقد أثّرت هذه الحادثة على شعوره تأثيراً عظيماً، وأخذت مصيبته بمجامع نفسه. وفي غمرةٍ من تلك الحال فقط اضطرّ الإقطاعيّ أن يسمح لفكره بأن يجول، ولعقله بأن يفكّر، فإنَّ هذه الحادثة لم تذهب سدىً، وإنَّما قد أنتجت نتيجتها المطلوبة، وهي حمله على التدبّر والتفكير، بعد أن كسرت أُفقه المادّي وحطّمت حجابه الصفيق.
وفكّر الإقطاعي في كلِّ شيء، فكّر في أرضه وفيما كانت عليه من روعةٍ وجمال، وفي حاله، وفيما كانت تتّصف به من كفرٍ وجحود، وفي صاحبه وما صدر عنه من وعظٍ وإرشاد، وفي نبوءته نبوءة الإيمان التي تحقّقت، وكأنَّه كان يقرأ القدر من وراء الغيب.
إنَّه لم يكن قبل ذلك ليسمح لنفسه حينئذٍ أن تتفهّم وأن تُدرك، أمّا الآن فينبغي له أن ينظر فيمعن النظر، وأن يفكّر فيحسن التفكير: أنَّ هذه الحادثة - بما تحمل في طيّاتها من ألم، وما تتّصف به من خسران- لم تكن لتقع لولا جحوده لأنعم ربّه، وإعراضه عن ذكره والتوكل عليه، فلو كان شخصاً مؤمناً شاكراً -كما نصحه صاحبه أن يكون- لكان الآن متمتّعاً بأرضه، مسروراً بجمالها.
إذن ينبغي له أن يصغي إلى الوعظ والإرشاد، وأن يحاول أن يتفهّمه وأن يتّعظ به، قبل أن ينزل به عقابٌ أشدُّ من ذلك وأدهى، وينبغي له أن يتوب ويثوب، وأن يحاسب نفسه (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ)(20).
عندئذٍ أطلق في الهواء زفرةً طويلة، تحمل من المعاني الشيء الكثير، وهو يتمتم بحرقةٍ وأسف: (وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا)(21).
(وَلَمْ تَكُنْ لَهُ)(22) في تلك الحادثة المؤلمة (فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ)(23) ويدفعون مصيبته عنه؛ فإنَّ إرادة الله فوق كلّ إرادة، وهي حكمٌ تكوينيٌّ واجب التنفيذ، ولا حيلة لأحدٍ في دفعه (وَمَا كَانَ)(24) هو نفسه في تلك الحادثة ضدّ إرادة الله (مُنتَصِرًا)().

(هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً)(26)(27).

الهوامش
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) [تاريخ كتابة البحث]: 7/ذي الحجّة/1383 = 19/نيسان/1964 (منه (قدس)).
(2) سورة الكهف، الآية: 32.
(3) سورة يس، الآية: 9.
(4) سورة الكهف، الآية: 33.
(5) سورة الروم، الآية: 8.
(6) سورة الكهف، الآيتان: 35-36.
(7) سورة الكهف، الآية: 37.
(8) سورة التين، الآية: 4.
(9) سورة البقرة، الآية: 165.
(10) سورة الكهف، الآية: 39.
(11) سورة الكهف، الآية: 39.
(12) سورة الكهف، الآية: 39.
(13) سورة الكهف، الآية: 40.
(14) سورة الكهف، الآية: 40.
(15) سورة الكهف، الآية: 40.
(16) سورة إبراهيم، الآية: 7.
(17) سورة البقرة، الآية: 171.
(18) سورة الكهف، الآية: 42.
(19) سورة الكهف، الآية: 42.
(20) سورة الروم، الآية: 43.
(21) سورة الكهف، الآية: 42.
(22) سورة الكهف، الآية: 43.
(23) سورة الكهف، الآية: 43.
(24) سورة الكهف، الآية: 43.
(25) سورة الكهف، الآية: 43.
(26) سورة الكهف، الآية: 44.
(27) نشر هذا البحث في مجلّة النجف، العدد الخامس، من السنة السادسة، بتاريخ: 1966م.