برگ هايي از تاريخ حسيني   خطبه هاي نور ـ خطبه هاي بديع ومتمايز شهيد جمعة ـ كتاب خطب الجمعة باللغة الفارسية   أثر السياق في توجيه دلالة الالفاظ دراسة في كتاب منة المنان   الفكرة الحية في حكم حلق اللحية   كتاب البيع ج(2)   كتاب البيع ج (1)   بحوث في صلاة الجمعة   الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام   الفتاوى الواضحة ج(2)   الفتاوى الواضحة ج (1)   كتاب الطهارة ج (1)   حبّ الذّات وتأثيره في السلوك الإنساني      صدر حديثاً الجلد الثاني من كتاب الطهارة   ذكرى استشهاد امير المؤمنين عليه السلام   ذكرى مولد الإمام الحسن المجتبى(ع)   ذكرى مولد الإمام الزمان(عجل الله تعالى فرجه)   ذكرى مولد الأنوار الثلاث   ذكرى استشهاد السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس)   صدر حديثاً الجلد الثاني من كتاب الطهارة   آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشاهرودي في ذمة الخلود   صدر حديثاً كتاب تعليقات على كتاب السنة والشيعة لإحسان إلهي ظهير   صدر حديثاً   تقريرات في علم أصول الفقه ج ١ و٢   ذكرى ميلاد السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها   ذكرى استشهاد فاطمة الزهراء(س)   شجب واستنكار   ذكرى المولد النبوي الشريف وحفيده الإمام الصادق والسيد محمد الصدر   ذكرى شهادة الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)   ذكرى رحيل الرسول الأكرم وسبطيه الحسن المجتبى والإمام الرضا   ذكرى استشهاد الإمام السجاد عليه السلام   تغيير اسم الموقع   السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين   عيد الغدير الأغر   ذكرى ميلاد الإمام الهادي عليه السلام   ذكرى استشهاد الإمام محمد الباقر عليه السلام   ذكرى استشهاد الإمام الجواد عليه السلام   ذكرى ميلاد الإمام الرضا عليه السلام   ذكرى استشهاد السيد الشهيد الصدر ونجليه (قدس)   كتاب أثر السياق   السلام عليك يا جعفر بن محمد الصادق   عيد الفطر المبارك   ذكرى استشهاد الإمام علي عليه السلام   ذكرى مولد الإمام الحسن المجتبى ـ كريم أهل البيت   ذكرى مولد منقذ البشرية   ذكرى ميلاد الانوار الثلاث   السلام على المعذب في قعر السجون وظلم المطامير   السلام على قلب زينب الصبور ولسانها الشكور   ذكرى ميلاد الإمام علي عليه السلام   ميلاد الامام الجواد (عليه السلام)   السلام عليك يا هادي الاُمة   ذكرى مولد الإمام الباقر عليه السلام   ذكرى ميلاد السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)   السلام على المغصوب حقها   ذكرى وفاة السيدة فاطمة المعصومة(سلام الله عليها)   ذكرى ميلاد الإمام الحسن العسكري   ذكرى مولد الرسول الأكرم(ص) حفيده الإمام الصادق(ع) والسيد الشهيد محمد الصدر(قدس)   ذكرى استشهاد الإمام الحسن العسكري عليه السلام   ذكرى رحيل الرسول والإمام الحسن والإمام الرضا عليهم آلاف التحية والسلام   السلام على الحسن المجتبى   السلام عليك يا سيد الساجدين   لا يوم كيومك يا أبا عبد الله   ذكرى ميلاد الإمام الكاظم عليه السلام   ذكرى مولد الإمام علي الهادي عليه السلام   اسعد الله أيامكم بحلول العيد الأضحى المبارك   ذكرى استشهاد الإمام الباقر عليه السلام   ذكرى ميلاد الإمام الرضا عليه السلام   الذكرى السنوية الثامنة عشر لاستشهاد السيد الشهيد محمد الصدر ونجليه(قدس)   ذكرى ميلاد السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام   عيد الفطر المبارك   تهدمت والله اركان الهدى   ذكرى مولد كريم أهل البيت الإمام الحسن المجتبى عليه السلام   خطبة الرسول الاكرم(ص) في استقبال شهر رمضان المبارك   ذكرى ميلاد منجي البشرية   اسعد الله ايامكم   نبارك لكم المبعث النبوي الشريف   ذكرى استشهاد الإمام الكاظم عليه السلام   ذكرى وفاة السيدة زينب سلام الله عليها   ذكرى مولد أمير المؤمنين عليه السلام   ذكرى مولد الإمام الجواد عليه السلام   عظم الله اجوركم بذكرى استشهاد الإمام الهادي عليه السلام   ذكرى استشهاد المفكر الكبير آية الله العظمى السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس)   ذكرى ميلاد فاطمة الزهراء سلام الله عليها   عظم الله اجوركم بذكرى رحيل السيدة الزهراء عليها السلام   ميلاد الإمام الحسن العسكري   صدر حديثا   ذكرى مولد السيد الشهيد محمد الصدر(قدس)   ذكرى مولد الإمام الصادق(ع)   ذكرى مولد الرسول الاعظم   ذكرى استشهاد الإمام الحسن العكسري(ع)   كتاب البيع الجزء العاشر والحادي عشر   ذكرى رحيل نبي الامة وولدية الإمام الحسن والإمام الرضا (ع)   حلول شهر صفر   ذكرى استشهاد الإمام محمد الباقر عليه السلام   الفكرة الحية في حكم حلق اللحية   ذكرى ميلاد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام   ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون   ذكرى استشهاد الامام الصادق عليه الصلاة والسلام   قريباً: اصدار كتاب البيع ج10 وج11 وكتاب الفكرة الحية في حكم حلق اللحية   إصدار البرنامج الرقمي (تراث آية الله العظمى السيد الشهيد محمد الصدر(قدس))   عيد الفطر المبارك   ذكرى شهادة الإمام علي عليه السلام   ذكرى ميلاد الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)   متى ترانا ونراك وقد نشرت لواء النصرِ ترى   اسعد الله ايامكم   شهادة الإمام علي الهادي(عليه السلام)   صدر حديثا المجلد التاسع من كتاب البيع   ذكرى ميلاد فاطمة الزهراء سلام الله عليها   نبارك لكم ذكرى ميلاد الرسول الأعظم وحفيده الإمام الصادق وولدهما السيد الشهيد محمد الصدر   صدر حديثاً كتاب المهدي المنتظر(عجل الله فرجه)   صدر حديثا المجلد السابع والمجلد الثامن من كتاب البيع   صدر حديثاً كتاب الرسائل والمقالات   حقوق الوالدين‏    شهر رمضان في قلب وعقل الشهيد السيد الصدر    واقعنا في ضوء ثورة الحسين عليه السلام    قصة من التأريخ الإسلامي (١)    نظرية في السلوك الإنساني    من هو الحاكم الأعلى في الدولة الإسلامية؟    الأعياد في الإسلام    شفتان من الماء    خطاب إلى المستقبل    أين الأدب الإسلامي الملتزم؟    أيها العقل    النصيحة الأخيرة    الآمال القاتلة    أعشاب صحراوية    نبوءة الإيمان    الجمعة الأولى غير متوفرة حالياً   
 إنَّ الحاجة تقتضي تظافر الجهود من كثير من الاختصاصيّين في بحث كلّ جانبٍ ممكنٍ مِن الدين والفقه والعقائد وغير ذلك, كلّ في مجال اختصاصه وعمله. ولا شكّ أنَّ عدد من هذه البحوث موجود إلى حدّ مّا, إلَّا أنَّ المتوقّع هو المزيد بطبيعة الحال, للحاجة الماسّة إليه
1 حقوق الوالدين‏ عامة
2 شهر رمضان في قلب وعقل الشهيد السيد الصدر عامة
3 واقعنا في ضوء ثورة الحسين عليه السلام عامة
4 قصة من التأريخ الإسلامي (١) أدبية
5 نظرية في السلوك الإنساني قرآنية
6 من هو الحاكم الأعلى في الدولة الإسلامية؟ عامة
7 بين الدين والدنيا عامة
8 الأعياد في الإسلام عامة
9 شفتان من الماء قرآنية
10 خطاب إلى المستقبل أدبية
11 أين الأدب الإسلامي الملتزم؟ أدبية
12 أيها العقل أدبية
13 النصيحة الأخيرة أدبية
14 الآمال القاتلة أدبية
15 أعشاب صحراوية أدبية
16 نبوءة الإيمان أدبية
17 قراء فلسفية في حقيقة الاستعاذة من الشرّ قرآنية
18 في معنى ثقل الميزان وخفته قرآنية
19 في معنى تعليم الله للإنسان قرآنية
20 في معنى الكَوْثَر في قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) قرآنية
21 في معنى الأرض وزلزالها في قوله تعالى: (إِذَا زُلزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) قرآنية
22 كيف تطّلع النار على الأفئدة؟ قرآنية
23 المراد من عبادي في قوله تعالى: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) قرآنية
24 المراد من الماء الدافق في قوله تعالى: (خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) قرآنية
25 المراد بشرح الصدر في قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) قرآنية
26 فيما يستدل به على حرمة الشعر قرآنية
27 في معنى الربائب قرآنياً قرآنية
28 في حرمة الخمر والمسكر قرآنية
29 رد التحية من منظور قرآني قرآنية
30 حجّيّة القراءات قرآنية
31 القرآن الكريم ومخالفة القواعد العربية قرآنية
32 قوله تعالى: (وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ) قرآنية
33 مقارنة بين التطهير وإذهاب الرجس قرآنية
34 الزهد في النكاح قرآنية
35 السحر حقيقته وأحكامه قرآنية
36 قراءة في قوله تعالى(وشاورهم في الأمر) قرآنية
37 العدالة المشترطة لمتعدد الزوجات قرآنية
38 بحث حول تنصيف مهر الزوجة قرآنية
39 الزواج المبكر في نظر الإسلام قرآنية
40 قصّة التضحية الخالدة قرآنية
41 الاستدلال على العصمة بآية التطهير قرآنية
42 معنى التطهير والرجس قرآنية
43 في الفهم الأخلاقي للسجود القرآني قرآنية
44 الكذب معانيه واستعمالاته في القرآن الكريم قرآنية
45 أغراض سور القرآن الكريم قرآنية
46 الربا حقيقته وحكمه قرآنية
47 كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر(عج) عقائدية
48 الجهاد العلمي عند الإمام الحسن العسكري (ع) عقائدية
49 الخطوط العامة لمواقف الإمام الهادي(عج) عقائدية
50 الاتجاهات العامة في عصر الغيبة الصغرى عقائدية
51 تمهيد الإمام الحسن العسكري (ع) لغيبة ولده المهدي(عج) عقائدية
52 في كيفية تصرف الإمام المهدي(عج) في الشؤون المالية عقائدية
53 حياة الإمام المهدي(عج) الخاصة عقائدية
54 حل الإمام المهدي(عج) للمشاكل العامة والخاصة عقائدية
55 تعيين المهدي (عج) لوكلاء متعددين غير السفراء الأربعة عقائدية
56 أهداف مقابلة المهدي (عج) للآخرين وحقيقة أسلوبها خلال غيبته الصغرى عقائدية
57 السفارات المزورة عن المهدي (عج) عقائدية
58 الخصائص العامة والمضمون الاجتماعي للسفارة عامة
59 أعمال السفراء عامة
60 نقاط الضعف في التأريخ الامامي الخاص بحوث ودراسات
61 نقاط الضعف في التأريخ الاسلامي بحوث ودراسات
62 مشكلات تاريخنا الخاص بحوث ودراسات
63 كيف نؤمن فعلاً بوجود المهدي(عج) عقائدية
64 كيف نؤمن بأن المهدي قد وجد عقائدية
65 حكمة عدم الظهور في الوقت الحالي عقائدية
66 الغاية من إطالة عمر الإمام المهدي(عج) عقائدية
67 الامكان العلمي لطول عمر الامام(ع) عقائدية
المراد بشرح الصدر في قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)
المراد بشرح الصدر في قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)

أفاد السيّد الطباطبائي (قدس) ما حاصله: أنَّ شرح الصدر بمعنى سعة القابليّة(1)، أي: توسيع القابليّة لتلقّي العلوم الدقيقة والمعمّقة والباطنيّة؛ إذ لا شك أنَّ العلم يحتاج إلى تحمّلٍ، والعقل في الحقيقة إناءٌ للعلم، ولابدّ للعلم أن يكون نازلاً في إناءٍ قابلٍ له، ولابدّ أيضاً أن يكون الإناء واسعاً بحيث يسع العلم، وإلَّا فلو كان ضيّقاً أو صغيراً أو غير مستعدٍّ لكلّ صورةٍ، كان نزول العلم فيه باطلاً ولغواً، بل يكون ضارّاً غير نافعٍ، نظير التلميذ الذي يدرس في المرحلة الابتدائيّة؛ فإنَّه لا يفهم العلوم التي تُدرّس في الكلّيّات أو الدراسات العليا مثلاً.
ونحوه الكلام في العلوم اللدنيّة والعلوم الباطنيّة، فهي ذات مراتب، ولا يمكن أن يصل الفرد إليها إلّاَ بالاستحقاق، أي: بقوّة تحمّلها، وبظرفٍ قابلٍ لتحمّلها.
وممّا يدلُّ على ذلك قوله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)(2) وقوله تعالى: (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ)(3) ونحو ذلك من الآيات.
كما تدلُّ عليه رواية المعراج عندما بلغ النبي (صلى الله عليه وآله) إلى سدرة المنتهى، فانتهى إلى الحجب، فقال جبرائيل: (تقدّم يا رسول الله؛ ليس لي أن أجُوز هذا المكان، ولو دنوت أُنملةً لاحترقت)(4).
والغرض: أنَّه عندما عُرج به نحو أنوار العظمة الإلهيّة فوصل إلى ذلك المقام، اعتذر جبرائيل عن المضي معه؛ إذ ليس له القدرة على تحمّل تلك الأنوار كالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)؛ فالنبي خير الخلق، وهو أقوى الخلق على الإطلاق من هذه الناحية. وهذه القوّة هي التي تشير إليها هذه الأُطروحة في قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)، أي: ألم نعطك القوّة الكافية لتحمّل العلوم الباطنيّة واللدنيّة؟
ويُلاحظ: أنَّ صاحب (الميزان) جمع هنا بين معنيين من غير التفاتٍ منه، وقرّرهما بصورة كأنَّهما يرجعان إلى معنىً واحدٍ، مع أنَّهما متباينان تقريباً، بل تحقيقاً، حيث أفاد (قدس): بأنَّ الله شرح صدره لتحمّل العلوم الباطنيّة، وتحمّل البلاء الدنيوي الذي كان يلاقيه(5).
والتحقيق: أنَّ المعنى الأوّل غير المعنى الثاني تماماً؛ فإنَّ تحمّل البلاء هو الصبر، أو يكون بالصبر، وتحمّل العلوم الباطنيّة يكون بالقوّة، كما يعبّر القرآن عن ذلك بقوله تعالى: (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ)(6).
فأحد المعنيين غير الآخر. نعم، قد يقال: إنَّ أخذ العلوم الباطنيّة معنى من معاني التحمّل، وإلى هذا المعنى الواسع أشار السيّد الطباطبائي، لكن حسب ما نسير عليه من المنهج سيكون لكلّ معنىً أُطروحةٌ تختلف عن الأُطروحة الأُخرى، ولا ينبغي التلفيق أو التركيب بينهما.
وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى شيءٍ نافعٍ أيضاً، وهو قوله (عليه السلام) في دعاء الصباح: (اللّهمّ صلّ على الدليل إليك في الليل الأليل، والماسك في أسبابك بحبل الشرف الأطول، والناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل، والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الأوّل)(7).
والكاهل: الظَهر(8)، والأعبل: القوي أو المتين جدّاً(9)، فالكاهل الأعبل هو الظهر القوي، والنبي (صلى الله عليه وآله) كان له ظهرٌ قوي يتحمّل سائر المسؤوليّات الباطنيّة والظاهريّة من العلوم، فظهره أقوى من كلّ ظهرٍ، ومسؤوليّته أيضاً أعظم من كلّ مسؤوليّةٍ.
وينبغي التنبيهُ على أمرين في بيان قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ):
الأمر الأوّل: قد يُقال: إنَّ الخطاب في قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) للنبي (صلى الله عليه وآله) بالمباشرة، وقد استفاد المفسّرون من هذا التعبير اختصاص ذلك به (صلى الله عليه وآله)(10)، وكأنَّ الله تعالى لم يشرح إلّاَ صدره.
ويُلاحظ عليه: أنَّه يمكن أن يوسّع المعنى ليشمل غيره (صلى الله عليه وآله)، بعد الالتفات إلى القرائن التالية، أي: أن نفهمه بنحوٍ من أنحاء التجريد عن الخصوصيّة بالنبي (صلى الله عليه وآله) إلى غيره.
القرينة الأُولى: قوله تعالى: (وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ)(11). وبيان ذلك: أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) لا وزر له ولا ذنب، كما سيأتي توضيحه، فنسبة الوزر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ممتنعةٌ، إذن فالمراد منه غيره.
القرينة الثانية: أنَّ شرح أو انشراح الصدور في الحقيقة غير مختصٍّ بالنبي (صلى الله عليه وآله)، كما أُشير إليه في آياتٍ عديدةٍ من القرآن الكريم نحو: قوله تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ)(12) وقوله تعالى: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)().
وهذا يدلّ على أنَّ المسألة غير مختصّةٍ به (صلى الله عليه وآله)، مضافاً إلى أنَّه متى ما وجد الشرح وجد الامتنان على الشرح، فيُقال: ألم نشرح لك صدرك أيّها المؤمن. إذن مادام الشرح متعدّداً في صدور كثيرٍ من المؤمنين فإنَّ الله يجعل لهم من أمرهم يسراً، ويجعل لهم من أمرهم فرجاً ومخرجاً، ويجعل الإيمان في قلوبهم، فحينئذٍ يشرح صدره، فيمنّ عليه، أي: يمتنّ عليه ببيان هذه النعمة.
القرينة الثالثة: أخبار الجري التي مفادها: أنَّ القرآن يجري في الناس كجري الشمس والقمر(14)، فلو اختصّ بطائفةٍ دون أُخرى ثُمَّ ماتت تلك الطائفة لمات القرآن، مع أنَّ القرآن حيٌّ لا يموت.
القرينة الرابعة: ما ورد من أنَّ القرآن نزل بلغة (إيّاك أعني واسمعي يا جارة). ويمكن الاستدلال على هذا المعنى برواية من ناحيةٍ(15)، وبالفهم العرفي من ناحيةٍ أُخرى، وهو فهمٌ عرفي وعقلائي متداولٌ يمكن أن يكون بمنزلة القرينة المتّصلة دائماً على تعميم الكثير من معاني القرآن وغيره، ومعنى شرح الصدر يمكن أن يكون أحدها.
الأمر الثاني: ثُمَّ إنَّ ظاهر الشرح أو الانشراح أنَّه حادثٌ بعد عدمٍ، أي: حصول شيءٍ لم يكن موجوداً، وعليه قد يرد إشكال هنا حاصله: أنَّ هذا المعنى لا ينطبق على النبي (صلى الله عليه وآله) على جميع الأُطروحات التي ذكرناها. فلو كان الشرح بمعنى (حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ)(16)، فيتعذّر تصوّر أنَّ النبي قبل ذلك كان يبغض الإيمان، والعياذ بالله.
وكذلك الحال لو حملنا شرح الصدر على إعطاء القوّة والتحمّل للعلوم الباطنيّة؛ فإنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) لا يتصوّر في حقه أنَّه قبل الشرح كان ضعيفاً غير متحمّل لها. وهكذا لو حملنا الانشراح على انشراح الصدر لتحمّل البلاء الدنيوي والرضا به؛ فإنَّه لا يتصوّر عدم رضاه (صلى الله عليه وآله) بالبلاء الدنيوي قبل ذلك.
والحاصل: أنَّ قبل انشراح الصدر حالةً سابقةً مغايرةً لما هو عليه بعد حصول الانشراح، أو قل: إنَّ الحالة السابقة ضدّ الانشراح، وهذا الضدّ لا يجري في حقّ النبي (صلى الله عليه وآله).
والذي يمكن أن يُقال في حلّ هذه العويصة وجوهٌ:
الوجه الأول: إذا تعيّن أنَّ الحالة السابقة ضدّ الانشراح وبرهنّا على أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) لم تكن له تلك الحالة السيّئة المتدنّية، تعيّن أن يكون المراد به غير النبي (صلى الله عليه وآله) لا محالة، أي: بشرط لا عن الشمول للنبي والمعصوم، فيكون المقصود عدا النبي (صلى الله عليه وآله) خاصّة، وعدا المعصوم بالذات على العموم.
الوجه الثاني: وقد يُقال: إنَّ المراد - بعد التنزّل عن المعنى الأوّل- زيادة الانشراح، أي: إنَّ انشراح الصدر كان موجوداً، إلّاَ أنَّه زاد واتّسع بهذا الانشراح، بمعنى: إنَّه زاد إلى حدّ يكون الانشراح السابق عليه ضئيلاً أو ملحقاً بالعدم، فيقال: إنَّه الآن انشرح صدره حقيقةً، فأصبح من السعة والوضوح بحيث يكون السابق عليه بدرجة الصفر أو كالصفر.
الوجه الثالث: ربما يُقال: إنَّ الحالة السابقة على الشرح كانت متحقّقةً، إلّاَ أنَّها حاصلةٌ قبل وجود الموصوف، أو قل: إنَّ الشرح قد تحقّق مع وجود الذات، يعني: شرحنا لك صدرك مع وجودك، أو إنَّه وجد مشروح الصدر. والشرح وإن كان يلازم وجود الحالة السابقة، إلّاَ أنَّه يلازم تلك الحالة السابقة مع عدم الذات لا مع وجود الذات، فحيث كان النبي (صلى الله عليه وآله) موجوداً كان متّصفاً بهذه الصفة العليا، أي: هناك حالةٌ سابقةٌ على الشرح، إلّاَ أنَّها حالة العدم، لا حالة الوجود الذي نفهمه بمعنى الضيق أو القصور أو التقصير أو غيرها.
الوجه الرابع: إنَّنا قد نأخذ بنظر الاعتبار التسليم بما في الإشكال من أنَّ شرح الصدر له حالةٌ سابقة: إمّا بالمطابقة أو بالدلالة التضمّنيّة أو الإلتزاميّة، فإذا تنزّلنا عن هذا الأمر بطل الإشكال من رأس.
فنقول: إنَّ الشرح لا يستلزم أن يكون له حالةٌ سابقةٌ مضادّةٌ له أو ذا درجة أدنى أو معاكسةٌ له، بل المراد أنَّه: ألم نشرح لك صدرك؟ وكفى. وأمّا قبل حالة الانشراح فقد غضّ النظر عنه، ولا نعلم ما هو، فلا دلالة التزاميّة على الحالة السابقة، وبالتالي يندفع الإشكال من أساسه.
وقد يُقال: إنَّ الشرح: إمّا أن يكون بمعنى البسط، وإمّا أن يكون بمعنى القطع. فإن كان بمعنى البسط أمكن أن لا يكون له حالةٌ سابقةٌ، إلّاَ أنَّه إن كان بمعنى القطع فهذا يلزم منه أن يكون له حالةٌ سابقةٌ، وهي الاتّصال لا محالة، أو قل: عدم الانقطاع وعدم القطع، أعني: وجود الالتصاق والاتصال، فيتعيّن أن يكون للشرح حالةٌ سابقةٌ؛ لأنَّ الشرح هو القطع، وكلّ قطعٍ له حالةٌ سابقةٌ، وإلَّا لم يصدق القطع أصلاً. ومعه فلابدّ أن يكون الشيء متّصلاً حتّى يتحقّق القطع، وكذلك في المقام ينبغي أن يكون الصدر ضيّقاً مثلاً حتّى يصدق الشرح بمعنى القطع، ونحو ذلك من المعاني.
ويُلاحظ عليه: أنَّنا لو سلّمنا بوجود الحالة السّابقة في القطع، فلا نسلّم بوجودها في الشرح، والشرح وإن كان هو القطع حسب الفرض، والقطع لا يصدق إلّاَ مع وجود حالةٍ سابقةٍ مغايرةٍ، إلّاَ أنَّ ما ذُكر يصدق في القطع الحقيقي، والكلام هنا في الشرح والقطع المجازي لا الحقيقي المادّي؛ إذ لم يكن قطعاً للصدر بالسكّين مثلاً، لا سيّما بعد أن نفينا الأُطروحة الأُولى، وهي شقّ الصدر، وحملنا ذلك على معنى آخر. وعليه فالشرح والقطع هنا مجازي، والمعنى الحقيقي للقطع وإن كان يتوقّف على وجود ضدّه قبله، إلّاَ أنَّ القطع المجازي لا يتوقّف على ذلك.
وربما يُقال: إنَّ ظاهر الصدر هو الصدر الجسدي أو المادّي، وهذه هي العصا التي يتوكّأ عليها أصحاب الأُطروحة الأُولى، أعني: أنَّ ظاهر الصدر هو المادّي(17)، ما يلزم معه أن يكون شرح الصدر بمعنى: قطع الصدر المادّي للنبي، مع أنَّ السياق أيضاً ظاهرٌ في توجّه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله).
كما أنَّ القلب ظاهرٌ في القلب المادّي، وهو العضو الصنوبري الموجود على يسار القفص الصدري.
أقول: إنَّ سائر استعمالات الصدر والقلب في القرآن الكريم لا يُراد منها الصدر والقلب المادّي الذي هو ظاهر اللغة، بل المراد منها الصدر والقلب المعنوي، وإليك نزراً منها:
قال تعالى: (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلاّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ)¬¬¬¬¬¬¬(18).
وقال تعالى: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُوركُمْ أو تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)(19).
وقال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ)(20).
وقال تعالى: (وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي)(21).
وقال تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ)(22).
وقال تعالى: (مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً)(23).
فالصدر في جميع هذه الآيات لا يُراد منه الصدر المادّي، بل المراد الصدر المعنوي.
ولتوضيح ذلك من غير أن ندخل في جهات الأسرار الإلهيّة، نقول: إنَّنا نجد فعلاً أنَّ العواطف موجودةٌ في صدورنا، وكذلك التفكير نجده فعلاً ونحسّ به إحساساً داخليّاً بأنَّه في دماغنا. والإنسان يحكّ رأسه عند التفكير، كما أنَّ العواطف محلّها الصدور أو القلوب؛ لأنَّنا نجد الحبّ والبغض والغضب والرضا والكره في الصدر، لا في الظهر ولا في الرجل ولا في الرأس، بل في الصدر خاصّة، وهكذا شاء الله بحسب الخلقة، وهي خلقةٌ بشريّةٌ يتساوى فيها جميع الناس.
وعليه فالصدر هو محلّ العواطف أو إنائها، والرأس إناء العقل والتفكير، وكأنَّ الله تعالى ربط القوّة الدرّاكة بالمخ، وربط القوّة العاطفيّة النفسيّة بالقلب، وهكذا هي الحكمة في خلقه جلّ جلاله، فالرأس المادّي هو هذا العضو المعروف، والرأس المعنوي هو القوّة الدرّاكة، وهو ما يرتبط بالرأس من القوّة، وهو حصّةٌ من الروح، وكذلك الصدر. فهناك صدرٌ مادّي وآخر معنوي يمثّل ما يرتبط بحصّةٍ خاصّةٍ من الروح؛ لأنَّ ما يحصل فيه من كرهٍ وحبٍّ وبغضٍ إنَّما هو في النفس حقيقةً، وهذا الصدر المادّي لو فتحناه لا نجد فيه شيئاً من هذه الأُمور كما لا يخفى.
فالكبر موطنه الصدر، قال تعالى: (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلاّ كِبْرٌ)¬¬¬¬¬¬¬(24). والغلّ محلّه الصدر، قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ)(25). فالكبر والغلّ مستودعهما الصدر، وعندما يلتفت الإنسان إلى باطنه يجد فيه كلّ شيءٍ من هذه الأُمور المعنوية السيّئة، والعياذ بالله، والتي ربما تتحوّل بعون الله وحسن توفيقه إلى خيرٍ، كما لو كان الغضب غضباً على أعداء الله، أو بغضاً لأعداء الله، أو بغضاً للحرام وللكفر والفسق والفجور. فالعواطف - حقّاً كانت أو باطلاً- موطنها صدر الإنسان. لا جزءٌ آخر من أجزاء بدنه. فقوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) أي: وسّعنا لك صدرك من الناحية العاطفيّة لكي يتحمّل أشياء كثيرة جدّاً.
ولابدّ أن نلحظ هنا أنَّ الصدر هل هو معنى شاملٌ للعقل أو لا؟ لأنَّ ما أفاده السيّد الطباطبائي (قدس) - من أن المراد: وسّعنا لك قوّتك لكي تنال بها العلوم العليا والباطنيّة- يرجع إلى توسيع العقل لا الصدر؛ إذ لا ربط لتلك العلوم بالعاطفة. نعم، العاطفة ترتبط بقضيّة تحمّل البلاء الدنيوي ونحوه؛ لأنَّ الإنسان يضيق صدره من البلاء ومن حديث الناس ومن عذاب الناس، والله من هذه الناحية بحسن توفيقه يجعله مسروراً، بدلاً من أن يجعله مكروباً أو حزيناً. فهذا مرتبطٌ بالعاطفة، وذاك مرتبطٌ بالعقل، وكلا الجانبين موسّعٌ ومشروحٌ ومحتمّلٌ، سواء كان عند النبي والمعصوم أم عند عامّة الناس.
ويمكن أن يُقال: إنَّ الصدر مطلق الجانب الباطني من النبي أو المعصوم أو الولي، وكلٌّ من الجانبين مشروحٌ أو واسعٌ، والصدر أوسع من صدر الفرد الاعتيادي الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
وها هنا سؤالٌ لا نريد الجواب عنه في المقام، وإنما نشير له إجمالاً قائلين: ما الفرق بين القلب والصدر؟ لأنَّ القرآن تارةً ينسب العاطفة إلى الصدور، وأُخرى ينسبها إلى القلب، فما هو الفرق بينهما؟
والتحقيق: أنَّ الجواب عن ذلك بالتفصيل سيأتي التعرّض له في موطنه، إلّاَ أنَّ الذي ينبغي أن ننبّه عليه هنا هو أن بين الصدر والقلب عموماً وخصوصاً مطلقاً؛ لأنَّ ما في القلب في الصدر، وليس كلّ ما في الصدر في القلب؛ لأنَّ الصدر أوسع من القلب؛ لاشتماله على أُمور لا توجد في القلب. أمّا ما هو الفرق بينهما؟ ومن الطبيعي أنَّ لكليهما نـحواً من أنحاء العاطـفة، وربما يُقال - على نحو الإشارة- بأنَّ ما في القلب فيه شائبة العلم، فهو عاطفة مع علم، بخلاف ما في الصدر؛ إذ هو عاطفةٌ خالصةٌ.
ولا بأس في التعرّض لأُطروحتين في بيان الانشراح المشار إليه في الآية الكريمة:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ الشرح بمعنى القطع، أي: قطعنا لك صدرك، بمعنى: شققناه. وتستند هذه الأُطروحة إلى ما روي من: أنَّ جبرئيل (عليه السلام) أتاه وشقّ صدره وأخرج قلبه وغسّله وأنقاه، ثُمَّ ملأه علماً وإيماناً، ووضعه في صدره(26).
وقد يُستأنس لذلك بقوله تعالى: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ) يعني: أنَّ الوزر هو السوء الذي استخرجه جبرئيل من قلب النبي (صلى الله عليه وآله) على تقدير صحّة الرواية، وبذلك تتمّ وحدة السياق في قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ) يعني: قطعنا لك صدرك، وقوله تعالى: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ) يعني: أخرجناه ورميناه.
ويمكن المناقشة في ذلك: بأنَّ الوزر لا يُراد به المعنى المذكور؛ لأنَّ القرآن يقول: (الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ)، فالوزر كان محمولاً على الظهر بحسب المعنى، ولم يكن في داخل القلب، وحينئذٍ تنتقض وحدة السياق، فيكون الشرحُ شيئاً، ووضعُ الوزرِ شيئاً آخر، ولا ربط لأحدهما بالآخر. مع أنَّ السياق كالنصّ في الارتباط، أي: إنَّ وحدة السياق هنا واضحةٌ وعرفيّةٌ إلى درجة كافيةٍ جدّاً، فانتقاض وحدة السّياق في الآية يكذّب الرواية. وبتعبيرٍ آخر: إنَّ وحدة السياق تقتضي حمل كلا الفقرتين على معنىً واحدٍ، فقوله: (..وِزْرَكَ * الَّذِي..) ليس إشارةً إلى ما ورد في الرواية، مع أنَّا نشكّ في أنَّ الشرح إشارةٌ إلى تلك الرواية. فبوحدة السياق نحمل ما هو مشكوكٌ على ما هو متيقّنٌ، والوزر ليس في الرواية قطعاً، إذن فالمشكوك - وهو الشرح- ليس من الرواية.
هذا كلّه بحسب الأُطروحة الأُولى التي من المفروض أن تكون إشارةً إلى الرواية المذكورة، وتبيّن أنَّها ليست صحيحةً، مع أنَّها مشهورةٌ عند العامّة، وربما عند بعض الخاصّة، إلّاَ أنَّ فيها غير واحدٍ من مواضع التأمّل.
الأُطروحة الثانية: أنَّ شرح الصدر بمعنى طيب القلب وسروره (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)، أي: طيّبنا لك قلبك وسررناه، أعني: جعلنا فيه السرور والغبطة والبهجة.
ويمكن نسبة هذا المعنى إلى مشهور المفسّرين(27)، بعد عدم الأخذ بالأُطروحة الأُولى التي تدلّ عليها الرواية السابقة، لا سيّما إذا كان المفسّر غافلاً أو متغافلاً عن الأُطروحات الأُخرى، فيتعيّن الأخذ بهذا المعنى لا محالة. وربما يعضد هذه الأُطروحة قوله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء)(28).
فنشرح صدره للإسلام أي: نطيّب قلبه بالإسلام، ونجعله محبّاً له، أي: محبّاً لعقيدته ودينه. وهذه الظاهرة موجودةٌ ومحسوسةٌ عند الكثير من المؤمنين، لا سيّما إذا وصل الإنسان إلى درجة الورع والتقوى. ولذا قال تعالى أيضاً: (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)(29).
فينال الإنسان - بمعنىً من معاني- الرشد حينما يكون محبّاً للإيمان وكارهاً للكفر والعصيان، كالكفر في أصول الدين، والعصيان في فروع الدين. فالمعصية في السلوك أو في فروع الدين - مهما كانت صغيرةً- يجب أن لا تصدر منه، وعليه أن يقشعرّ منها، بما فيها الكذبة التي يسمّيها أهل الدنيا كذبةً بيضاء وبسيطةً، أو كذبةً في هزل؛ إذ عليه أيضاً أن يقشعرّ بدنه منها؛ لأنَّها أمام الله كبيرةٌ. أُنظر إلى مَن عصيت، ولا تنظر إلى ما عصيت(30).
والحاصل: أنَّ في هذه الأُطروحة نحوين أو ثلاثة يمكن أن تُفسّر بها، وكلّ نحوٍ يصلح لأن يكون أُطروحةً بنفسه، إلّاَ أنَّه يمكن إدراج الجميع في معنىً عامٍّ نعنون به الأُطروحة، وهو إدخال السرور في القلب. ولهذه الأُطروحة أنحاء:
منها: أن يُقال: إنَّ الإنسان قد يكون في ضيقٍ من شيءٍ من بلاء الدنيا، وهذا يمرّ به كلّ البشر؛ لأنَّ الدنيا دار بلاءٍ وضيقٍ وسجنٍ للمؤمن، فيضيق صدره من البلاء، وحينئذٍ يمنّ الله تعالى عليه بمنّةٍ، فيزيل ضيق صدره، ويجعل له من أمره يسراً، ويجعل له من أمره فرجاً ومخرجاً، ويزيل عنه سبب الضيق، وهو البلاء الدنيوي، فيفرح ويسرّ. ولاشكّ في عدم انطباق هذا على النبي (صلى الله عليه وآله) وبُعده عن ساحته المقدّسة، وإن قرّبه صاحب (الميزان)(31)؛ إذ لا شكّ أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) قد مرّ ببلاءٍ كثيرٍ، لعلّه - بمعنىً من المعاني- أشدّ من البلاء الذي مرّ به الحسين (عليه السلام)، حتّى رُوي عنه أنَّه قال: (ما أُوذي نبيٌ مثل ما أُوذيت)(32). إلّاَ أنَّ هذا لا يعني أنَّه كأحدنا جعل الدنيا أقصى همّه ومبلغ علمه، بحيث يتأذّى من هذا البلاء ويحصل له ضيقٌ؛ فهو أجلّ من ذلك، بل النبي (صلى الله عليه وآله) حسب وجداني لا يضيق ببلاء الدنيا. وعليه فهذه الأُطروحة لا تناسبه، وإنَّما تناسب غيره، وهو ليس مصداقاً لها؛ لأنَّ هذا شأن المؤمن الذي يضيق ببلاء الدنيا، فيقول: (أنا مريضٌ)، (أنا فقيرٌ)، وهذا لا يخطر في ذهن النبي طرفة عين.
ومنها: أن يُقال: إنَّ الدنيا كما تشتمل على البلاء تشتمل على النعمة، ونعمة الدنيا إمّا مادّيّة، كالمال ونحوه، وإمّا معنويّة، كما أُشير إليه في بعض الروايات من: أنَّ المؤمن لو سُئل: هل صلّى صلاة الليل؟ فلا ينبغي له أن يقول: (لا)؛ لأنَّه كذبٌ، بل عليه أن يقول: (رزقني الله ذلك) (33). والوجه فيه: أنَّ الطاعات رزقٌ من الله تعالى ونعمةٌ من نعمه، ونحوها الحالات الباطنيّة من قبيل: صفاء النفس وطيب القلب وعلم العقل؛ فكلّها من نعمه تعالى. ثُمَّ إنَّ الإنسان عاطفي بطبعه، فهو يفرح بالنعم الواصلة إليه، فأهل الدنيا يفرحون بالنعم الدنيويّة، كالمال والبنون والقصور والسيّارات والشهرة وغيرها، وأهل الآخرة يفرحون بالنعم المعنويّة. وحينئذٍ يكون قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) مصداقاً لأهل الدنيا بمعنىً من المعاني، ولأهل الآخرة أيضاً بمعنىً آخر. ونظير ذلك الرجل الذي أمسى فقيراً، ولكنّه استيقظ صباحاً، فوجد أنَّ عمّه مات وخلّف له ثروةً كبيرةً، فيصدق عليه أنَّه شرحنا له صدره ووضعنا عنه وزره، وهو الفقر الذي أنقض ظهره: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً). هذا بالنسبة إلى الأُمور الدنيويّة. وكذلك الحال بالنسبة إلى الأُمور الأُخرويّة، وقد أشار القرآن إلى السرور بالطاعات والعطاء المعنوي: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)(34). فلا تفرحوا بما تجمعون من أُمور الدنيا، وإنَّما افرحوا بالعطاء المعنوي والروحي والقلبي والعقلي.
وهذا المعنى ينطبق على النبي (صلى الله عليه وآله) قطعاً؛ لأنَّ العطاء الواصل إليه عطاءٌ معنوي، ويكفي في ذلك النبوّة والرسالة والعصمة، وعصمة أولاده وبنته وصهره وأسباطه، ونحوه كونه من أرحامٍ طاهرةٍ مطهّرةٍ، فهذا كلّه من النعم عليه. فمن هذه الناحية يكون ظرفاً لنعمٍ إلهيّةٍ هائلةٍ جدّاً، ومنه يتّضح أنَّه كلّما كان الإنسان أعلى رتبةً في عالم الكمال كانت النعم أكثر؛ لأنَّه أكثر استحقاقاً للنعمة، والله تعالى كريمٌ لا بخل في ساحته.
فإن التفتنا إلى أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) خير الخلق وأسمى الخلق وأكمل الخلق، كانت النعم عليه أكثر من سائر الخلق على الإطلاق، ولا يشابهه خلقٌ في كثرة النعم، أي: في النعم التي تصل إليه من الله تعالى؛ لأنَّه أكثر الخلق استحقاقاً للنعم. ومعه يكون خطاب (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) منطبقاً عليه لا محالة؛ لأنَّ النعم بنفسها نورٌ وبهجةٌ وسلامةٌ وعافيةٌ من الذنوب والعيوب والظلام وحجب الظلمة، فيحصل له انشراحٌ عظيمٌ جدّاً، ويكون مصداقاً للآية، بل هو أولى من أيّ شخصٍ آخر بأن يكون مصداقاً لهذه الآية، بل غيره بالنسبة إليه كالعدم من هذه الناحية، وكضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، والقطرة إلى البحر.
وربما يُقال: إنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) هو المخاطب بالقرآن كلّه، وبهذه السورة أيضاً، وبهذه الآية بالخصوص، مع أنَّه خير الخلق وأسمى الخلق وأفضل الخلق، فكيف صار الوزر ناقضاً لظهره؟
ويجاب عليه بعدّة وجوه
الوجه الأوّل: أنَّ الكلام في قوله تعالى: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ) واردٌ على سياق (إيّاك أعني واسمعي يا جارة)، والخطاب المباشر وإن كان للنبي، إلّاَ أنَّ المقصود غيره.
أو نقول: إنَّ السامع للوحي وإن كان هو النبي مباشرة، إلّاَ أنَّ المخاطب غيره؛ لأنَّ الكتاب أُنزل لكلّ المسلمين، بل لكلّ البشر.
نعم، الاتّجاه المشهور لا يمكن له أن يلتزم بهذا الكلام؛ لأنَّ ذلك يستلزم وجود الثقل على ظهر المخاطب الذي هو غير النبي، ورفعه أيضاً عن غير النبي، إذن فالمنّة ليست على النبي، بل على مَن رفع عن ظهره الثقل والوزر، فكيف ينسجم ذلك مع أوّل السورة، أعني: قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) مع أنَّ الشرح على ما هو المشهور مختصٌّ بالنبي(35)؟! وعليه فهذا الاتّجاه لا يرى أنَّ المخاطب غير النبي؛ لأنَّ ذلك يقطع وحدة السياق حسبما يظهر من قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) وقوله تعالى: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ).
ثُمَّ إنَّ الشرح مختصٌّ بالنبي، ونشكّ أنَّ ما بعده متعلّقٌ به أو لا؟ وبمقتضى وحدة السياق يكون مختصّاً به أيضاً، وهذا هو رأي المشهور الذي يمثّله جملة من مفسّري العامّة الذين يلتزمون بمثل روايات شرح الصدر(36).
وأمّا إذا فهمنا شرح الصدر بنحوٍ آخر، فقد يكون الخطاب عامّاً لكلّ المؤمنين، بل لكلّ المسلمين، فأنا شرح الله صدري، وشرح لك صدرك، وشرح لزيدٍ صدره أيضاً، كما في قوله (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ)(37). إذن فكلّ من الآيتين غير مختصّةٍ بالنبي (صلى الله عليه وآله).
الوجه الثاني: أن يُقال: إنَّ الوزر يمكن أن نفهمه في ضوء أُطروحتين رئيستين ذكرناهما فيما تقدّم، وهما: ثقل الذنب وثقل المسؤوليّة، أي: ثقل مسؤوليّة العمل. وبتعبير آخر: المسؤوليّة الناتجة إمّا من العمل وإمّا من الذنب، وهما يختلفان اختلافاً جذريّاً؛ لأنَّ مسؤوليّة الذنب مسؤوليّة أخلاقيّة أمام الآمر، وهو هنا الله تعالى، ومسؤوليّة العمل ليست من هذا القبيل، وإن كان فيها شيءٌ من ذلك، إلّاَ أنَّ معناها الحقيقي هو أنَّ العمل مجهدٌ للإنسان، ومن هذه الناحية يصدق قوله: (أَنقَضَ ظَهْرَكَ).
وفي هذا الجواب نقول: إنَّنا إذا أخذنا المسؤوليّة هنا بمعنى مسؤوليّة الذنب أمام الله تعالى، وكان وزرك بمعنى ذنبك، وتنزّلنا عن الأُطروحة السابقة، وقلنا: إنَّ الخطاب متوجّهٌ إلى النبي (صلى الله عليه وآله) لا غيره، صار عندنا مسؤوليّة للنبي تنقض ظهره اقتضاءً لا علّيّةً، وفي هذا الوجه نقول: إنَّ هذه المسؤوليّة تنقض ظهره لولا رحمة الله تعالى له.
فان قلت: إنَّ النبي لا ذنب له؛ لأنَّه معصومٌ؟
قلنا: نعم، هو معصومٌ ولا ذنب له، إلّاَ أنَّه مع ذلك يشعر بالتقصير أمام الله تعالى، ويرى أنَّ ذلك التقصير ذنبٌ تجاه الله سبحانه، فمن هذه الحيثيّة كان له ذنوبٌ، إلّاَ أنَّها والعياذ بالله ليست كذنوبنا، بل هي ذنوبٌ أمام الله سبحانه.
ولنضمّ هذا المعنى إلى كبرى مفادها أنَّ المسؤوليّة الأخلاقيّة للذنب تتحدّد بمقدار أهمّيّة الآمر، فإذا كان الآمر هو الأب مثلاً، كان عصيانه درجةً من درجات المسؤوليّة الأخلاقيّة، فإذا كان شخصٌ أفضل وأعلى منه، كالحاكم الشرعي أو المعصوم، كان الذنب أكبر والمسؤوليّة أعظم. وأمّا إذا كان الآمر هو الله سبحانه، فسوف تصل المسؤوليّة الأخلاقيّة إلى نهايتها وغايتها؛ لأنَّ الله غير متناهٍ، فالمسؤوليّة الأخلاقيّة بذنبٍ واحدٍ لا نهائيّة، أي: إنَّ الذنب الواحد قابلٌ لأن يقصم الظهر أمام الحقّ تعالى؛ لأنَّه حمّل مسؤوليّة لا نهائيّةً من قبل خالقٍ لا متناهٍ، فينقض ظهره من ذنبٍ واحدٍ فقط، لا من ذنوبٍ كثيرةٍ.
والحاصل: أنَّ الذنب اللامحدود تكون مسؤوليّته لا محدودة، فينقض الظهر لا محالة. وبالرجوع إلى الصغرى يُلاحظ أنَّ هذا المعنى لا يختلف فيه الذنب الصادر عن غير المعصوم مع الذنب في نظر المعصوم، بل المعصوم مسؤوليّته أكبر؛ لأنَّه أكثر اطّلاعاً منّا، وهو مطّلعٌ على الواقع، فهو أعلم وأفهم وأرشد وأعلى وأنور، فمسؤوليّته تزداد قطعاً.
والوجه فيه: أنَّنا في حجب الظلمة، فتكون مسؤوليّتنا ربما ناقصةً، إلّاَ أنَّ مسؤوليّة المعصوم ليست كذلك، بل هي لا نهائيّة، فاقتضاء نقض الظهر موجودٌ لولا رحمته تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله).
الوجه الثالث: أن يُقال: إنَّنا نأخذ الوزر بمعنى مسؤوليّة العمل، وهذه المسؤوليّة تنقض ظهر النبي (صلى الله عليه وآله)؛ لأنَّ مسؤوليّته تتشعّب إلى ثلاث مسؤوليّات:
المسؤوليّة الأُولى: مسؤوليّته في إدارة الكون، كما يدركه العارفون، وكما هو ملحوظ في ضمير المتشرّعة من: أنَّ الكون خُلق من أجلهم، ودارت الأفلاك فيه لأجلهم (عليهم السلام)(38).
المسؤوليّة الثانية: مسؤوليّته في تبليغ الدين في حياته، وهو القائل: (ما أُوذي نبيٌ بمثل ما أُوذيت)(39).
المسؤوليّة الثالثة: مسؤوليّته تجاه دينه من البعثة إلى يوم القيامة؛ إذ هو الذي يتحمّل تلك المسؤوليّة في نهاية المطاف؛ لأنَّه أقوى الموجودات بالمباشرة. نعم، يمكن أن يتحمّلها المعصومون والعلماء والمسلمون والمتّقون، لكن يبقى هو المسؤول الأوّل والأخير، وهذا ليس بالأمر السهل واليسير.
ومعه تارةً نأخذ (ظهرك) بمعنى الظهر البشري، أي: بصفتك بشراً، كما يُشير إليه قوله تعالى: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ)(40).
ثُمَّ إنَّ المسؤوليّات المتقدّمة شديدةٌ جدّاً وثقيلةٌ على طاقة البشر، فهي قطعاً تنقض الظهر البشري وتكسره لولا رحمة الله تعالى؛ لأنَّه رفع عنك وزرك. إذن أنقض ظهرك بصفتك بشراً، ولذا فإنَّ انتقاض الظهر كان من هذه الحيثيّة.
وتارةً أُخرى نأخذ ظهر النبي بصفته الواقعيّة المعبّر عنه بالكاهل الأعبل، أي: الظهر القوي على الإطلاق، إلّاَ أنَّه مع ذلك تكون مسؤوليّاته كبيرةً جدّاً، وإن كان جملةٌ من المسؤوليّات التي ذكرناها ليست ذات أهمّيّة بالنسبة إلى هذا المستوى من التفكير، من قبيل تبليغه ودعوته خلال حياته ودينه إلى يوم القيامة.
ويجدر في المقام الإشارة إلى أمرين:
أحدهما: مسؤوليّة الكون ككلٍّ، ولا سيّما إذا قلنا بعدم تناهي الموجودات؛ فإنَّ رحمة الله لا متناهية، وهو يخلق ويدّبر برحمته، وعليه فالمخلوقات لا متناهية، وكلّها على عاتق النبي، إذن فلها اقتضاء نقض الظهر.
ثانيهما: أنَّ هناك روايات مفادها: أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) هو القلم(41) أي: القلم الأعلى، وروحه العليا هي القلم، وأنَّ الله تعالى أمر القلم أن يكتب على اللوح، فكتب اثني عشرة سنة أو أكثر - مع أنَّ هذا العدد من قبيل تكليم الناس على قدر عقولهم- إلى أن أعياه التعب(42)، وهو خير الخلق وأسمى الخلق، ومسؤوليّته كبيرةٌ جدّاً، بل هي فوق العقل وفوق التصوّر، ولها اقتضاء نقض الظهر، إلّاَ أنَّ الله تعالى يفيض عليه بعنايته الخاصّة حتّى يرفعه. ولعلّه إلى ذلك أُشير في الأخبار عنهم (عليهم السلام) أنَّهم قالوا: (ولولا أنَّا نُزاد لنفد ما عندنا)(43).
ثُمَّ إنَّ (نقض) فعلٌ ثلاثي، نقض ينقض أنقض، و(أنقض) رباعي مزيد، والثلاثي إن كان لازماً لم يفتقر إلى مفعولٍ، ويمكن تعديته بإدخال الهمزة، مثل: خرج وأخرج، فخرج لازم، وبالهمزة يصير متعدّياً. إلّاَ أنَّه يُلاحظ أنَّ (نقض) متعدٍّ، سواء كان ثلاثيّاً أم رباعيّاً مزيداً بالهمزة، فهو متعدٍّ ولو كان ثلاثيّاً، فماذا أفادت الهمزة التي زيدت عليه في قوله تعالى: (أَنقَضَ ظَهْرَكَ)؟ لأنَّه بقي متعدّياً، فلا حاجة إلى الهمزة إطلاقاً.
ويمكن الجواب عن ذلك بعدّة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ هذه الهمزة لحفظ السياق اللفظي للقرآن؛ لأنَّه لو قال: (الذي نقض ظهرك) لاختلّ السياق في الجملة.
الوجه الثاني: أنَّ (أنقض) أدلَّ على المعنى من (نقض)؛ فـ (نقض) بمعنى: كسر، وأمّا (أنقض) فبمعنى: حطّم حتّى صار أنقاضاً، فأنقض من قبيل أن تقول: فسد فساداً كاملاً، في اقتضاء الزمان والانعدام، وهذا لا يكون من الثلاثي، والمراد زيادة التحطّم وصيرورته أنقاضاً.
الوجه الثالث: أنَّ الثلاثي من (التهدّم)، والرباعي من (الصوت)، ومع أنَّ مرجعهما واحدٌ، إلّاَ أنَّ هناك اختلافاً في نصوص اللغويّين، والمقصود هنا الرباعي؛ لأنَّه ورد بلفظ (أنقض).
فالثلاثي (نقض) بمعنى: (هدم)، و(أنقض) بمعنى: (صوّت).
قال ابن منظور في (لسان العرب)(44):
أنقض الرجل إذا أطّ. يعني: كأنَّ الإنسان الذي يتعب كثيراً يئطّ، من قبيل أن يتحسّر، أو يعلو نَفَسَه جدّاً، فهذا يُطلق عليه: أنقض، أي: صوّت هكذا. وأضاف ابن منظور: شبّه أطيط الرحال بأصوات الفراريج(45) التي هي صغار الدجاج والبطّ؛ لأنَّ صوت النَفَس يكون ضيقاً إلى هذه الدرجة.
وقال الخطابي: أنقض به أي: صفّق بإحدى يديه على الأُخرى حتّى سمع لها نقيضٌ، أي: صوتٌ(46).
وقال في موضعٍ آخر: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ) أي: جعله يسمع له نقيضٌ من ثقله(47).
وهذا النقيض في الحقيقة يمكن تصوّره على عدّة أنحاءٍ:
النحو الأوّل: أنَّ هذا الوزر حينما يقع على الظهر يتكسّر الظهر من ثقله، فيسمع له صوتٌ.
النحو الثاني: أنَّ الإنسان حينما يمشي وهو يحمل الثقل الشديد
- كحمل الحمّال مثلاً- نقول عنه: إنَّ جسمه لا يتماسك فتصدر أصوات.
النحو الثالث: أنَّه حينما يتعب تعباً شديداً سوف يتمطّى، ليحصل بالتمطّي صوتٌ خاصٌّ كالأنين.
وبذلك يظهر الجواب عن سؤالٍ آخر قد يخطر في البال، وإن كان من الظلم أن يخطر نظيره، وهو: أنَّ (نقض) ورد في اللغة، فهو أصيلٌ، وأمّا (أنقض) فلم يرد في اللغة، فمن أين أتى به القرآن؟ وهل يمكن أن ننسب الخطأ إلى القرآن؛ لأنَّه استعمل كلمةً لم ترد في اللغة؟!
والإشكال المذكور واضح الفساد؛ لأنَّ الثلاثي (نقض) وإن كان أكثر ارتكازاً في أذهان العرب واللغويّين، إلّاَ أنَّ هذا لا يعني أنَّ ما عداه غير واردٍ، فالرباعي على أيّ حالٍ معنى لغوي، وقد ورد في كلمات أهل اللغة، كما ورد في كلام العرب.
مع أنَّ من حقّ المتكلم البليغ أن يدخل في اللغة ما يشاء، ولو توسّعنا في ذلك لقلنا: إنَّ لكلّ الأجيال أن تدخل في اللغة ما تشاء من الألفاظ؛ فهم عقلاء، ونحن عقلاء، وهم مجتمعٌ إنساني، ونحن مجتمعٌ إنساني، فلا بأس أن نضع وضعاً جديداً. ويُلاحظ: أنَّهم يمثّلون بـ (ديز) إلى المهملات، ولنا أن نضع (ديز) لمعنىً آخر، وأيّ ضررٍ أو مانعٍ في ذلك؟! مع أنَّنا لسنا بذوي عقولٍ قاصرةٍ، بل نحن بالتأكيد أوعى وأعقل من المجتمع الجاهلي الذي كان يعيش على الغارات والسرقات.
وإن تنزّلنا عن ذلك وقلنا: إنَّ لغتنا اختلطت بلغة الأعاجم، فسقط مجتمعنا عن الحجّيّة اللغويّة، لوحظ عليه: أنَّ القرآن لم يحصل له ذلك الاختلاط، أي: لم تختلط أُسسه اللغويّة. فإن قيل: إنَّ أبا جهل وأبا سفيان لهما الحقّ في وضع الألفاظ وتكون حجّة، كان من حقّ الله أنَّ يستعمل ما يشاء من الألفاظ في آيات القرآن. ولو قيل: إنَّ الله تعالى ليس له ذلك، أجبنا بالنفي.
الوجه الرابع: أنَّ كلّ ثلاثي يمكن جعله مزيداً، أي: رباعيّاً، كخرج أخرج، حتّى لو لم ينصّ عليه أهل اللغة ولم نسمعه منهم؛ إذ المسألة ليست سماعيّة، بل قياسيّة، فنقيس في ما لم يُسمعْ ، والقياس في اللغة جائزٌ.
فان قلت: إنَّ المسألة ليست بهذه الدرجة من العموم، فكسر لا يصير أكسر، وليس كلّ ثلاثي قابلاً لأن يكون رباعيّاً.
قلنا: إنَّ هذه القاعدة تقرّر أنَّ كلّ ثلاثي يصحّ أن يصير رباعيّاً، إلّاَ ما خرج بدليلٍ.
فالكلمة أو الصيغة الرباعيّة التي أصبحت غريبةً في الذوق العربي نهملها كـ (أكثر) مثلاً، وإلَّا فيمكن استعمالها، ولا بأس بها، ونبقى على القياس السائد، ولا يختلف في ذلك اللازم والمتعدّي: أمّا اللازم فنحو: خرج وأخرج، وأمّا المتعدّي فنحو: نطق وأنطق.
فان قلت: إنَّ (نقض) كـ (نطق) الذي هو متعدّ، وبقي متعدّياً حينما صار رباعيّاً، إلّاَ أنَّ الثلاثي لو صار رباعيّاً كان له تأثير في غيره نحو قولنا: (أنطق زيد بكراً). فحينما دخلت الهمزة على (نقض) صار (أنقض)، فيكون له تأثير في غيره، وهنا لا وجود لغير النبي، ولا ذكر لغيره في الآية، فليس هنا شخصان حتّى يكون أحدهما فاعلاً والآخر المنفعل بالنقض، فالتأثير في الآخر لا مصداق له في الآية، مع أنَّ صيغة (أنقض) تستدعي التأثير في الآخر، فيفسد السياق. وحاشا للقرآن أن يقع فيما يوجب الخلل في السياق أو فساده.
قلت: يمكن الجواب عن الادّعاء المزبور بأُمورٍ ثلاثةٍ:
الأمر الأوّل: أنَّ التأثير في الغير موجودٌ وصحيحٌ، إلّاَ أنَّه ليس بين إنسانين مذكورين في الآية. نعم، المذكور هو رسول الله فقط، إلّاَ أنَّ هناك فاعلاً ومنفعلاً، وهما الوزر والظهر، فالوزر فاعلٌ والظهر منفعلٌ ومتأثّرٌ، فتعدّدت الجهة والحيثيّة، وصحّ السياق، وصار (أنقض) منسوباً إلى الوزر لا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وليُتفطّن: أنَّ الله تعالى وإن كان له أن يضع كلماتٍ لغويّةً، ومنها الكلمة التي نحن بصددها (أنقض)، حيث إنَّه قد تقدّم منّا: أنَّ الله قد يستعمل كلماتٍ لغويّةً جديدةً غير مأنوسةٍ للناس، إلّاَ أنَّه قد يُقال: إنَّ هذا خلاف الحكمة أو منافٍ لما رُوي من قوله (صلى الله عليه وآله): (إنَّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم)(48)، فيكون القرآن بهذا المعنى غير مفهوم، ومن هنا لا يمكن أنَّ نعمّم القاعدة التي ذكرناها في استحداث ألفاظٍ جديدةٍ في اللّغة.
ويُلاحظ عليه: - مع قطع النظر عن الجهات الكلاميّة التي تُذكر في علم الكلام-: أنَّ الله تعالى يضع كلمةً أو كلماتٍ جديدةً، ولكن بقدر ما يناسب عقول الناس، فالمورد هنا ممّا يناسب عقول الناس، فلا خروج عن القاعدة؛ لأنَّ (نقض) الثلاثي معروفٌ، فإن جعلناه رباعيّاً بوضعٍ جديدٍ وإضافة الهمزة، لم نكن قد فعلنا شيئاً غريباً خلاف ما يناسب عقول الناس؛ لأنَّ أصل الكلمة ومادّتها مفهومة، فهو ليس من الوضع البعيد عن الأذهان.
هذا مضافاً إلى أنَّنا لو قلنا - كما عليه مشهور أهل اللغة - بأنَّ الأجيال المتأخّرة اختلط لسانها بلسان الأعاجم فضاعت مقاييس الّلغة، فلا يكون وضعها بحجّة، فإنَّنا قطعاً لا نسلم بذلك الاختلاط في صدر الإسلام، ففي ذلك الجيل كانت اللغة صحيحةً، وكان من حقّ الناس أن يضعوا، بل مشهور أهل اللغة أنَّ الوضع كان قد استمرّ إلى زمانٍ ما من عصر الدولة الأمويّة، ثُمَّ اختلط المجتمع بالأعاجم.
والقرآن نزل في تلك الفترة التي كان يجوز وضع الألفاظ فيها للناس، فضلاً عن الله تعالى، فيكون الوضع مطابقاً للقاعدة.
والآن نعود إلى سؤالنا الأساسي في البحث السابق، وهو أنَّ التأثير والتأثّر لابدّ أن يكون من شخصين أو سببين فنقول:
الأمر الثاني: إنَّ شخص النبي (صلى الله عليه وآله) وإن كان هو المخاطب، إلّاَ أنَّه غير ملحوظٍ في السياق بنحو العلّيّة والمعلوليّة، وإلَّا للزم أن يقول: (وزرك الذي أنقضتَ ظهرك)، ولكنّه قال: (وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ)، أي: إسقاط شخصيّة المخاطب في وسط الكلام، ففاعل (وزرك) كأنَّه غير ملحوظٍ في الآية.
وبعبارة أُخرى: إنَّه أخذ بلحاظ الاعتبار مخاطباً، إلّاَ أنَّه لم يُلحظ بما أنَّه صاحب وزرٍ، فمن هذه الناحية بقيت الاثنينيّة محفوظةً: الوزر بما هو وزرٌ، والظهر بما هو ظهرٌ، مع سقوط الفاعل عن اللحاظ.
الأمر الثالث: أنَّه بعد التنزّل عن الوجوه السابقة يمكن القول بتحقّق الاثنينيّة ليكون طرفاها الله والنبي، فالنبي هو المنفعل؛ لأنَّه هو المخاطب من جهة (ظهرك)، والتحميل والثقل الذي ألقاه الله تعالى بمعنى: أنَّ الفعل في نفسه لو لم ينه الله تعالى عنه لكان مباحاً، فهو ليس ثقلاً على الظهر، وإنَّما نهى عنه فعصيته، فأصبح ثقلاً، فالثقل مستندٌ إلى الشريعة المستندة إلى الله، ومن هذه الجهة يتحقّق أنَّ الله (أثقل ظهره). فشرب الخمر مثلاً كواقع تكويني ليس فيه أيّ مسؤوليّة، وإنَّما مسؤوليّته تتمثّل في أنَّه عصيان الله سبحانه، فعصيان الله هو الذي أثقل الظهر لا العمل. نعم، بعد النهي الإلهي يكون العمل موجباً لثقل الظهر، فالاثنينيّة محفوظةٌ: الله تعالى من جهة، والمخاطب من جهة أُخرى، أيّ: النبي (صلى الله عليه وآله) أو سائر المؤمنين.
ثُمَّ إنَّ الفخر الرازي أفاد: أنَّه لِمَ قال: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)، ولم يقل (ألم نَشْرَحْ صَدْرَكَ)؟ ولِمَ قال: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ)، ولم يقل: (وضعنا وزرك)؟ مع أنَّ الكلام تامٌّ من دون (لك) و(عنك)(49).
ونحن نزيد عليه أيضاً قائلين: إنَّ الآية قالت: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) ولم تقل: (رفعنا ذكرك) مع أنَّ الكلام تامٌّ من دون (لك) فحينئذٍ يعود الإشكال في ثلاث آيات لا في آيتين، كما ذكر الرازي.
وقد أجاب بما حاصله: أنَّ هذا إيضاحٌ بعد إبهامٍ، وهو نحوٌ من أنحاء البلاغة في البديع(50).
وما أفاده كأُطروحةٍ لطيفٌ، ويوافقه الحدس اللغوي.
والوجه فيه: أنَّه حينما قال: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ) كان مبهماً، فقال: (صدرك)، أي: أوضح ما وقع عليه الشرح، وكذلك قوله: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ) كان مبهماً، أي: من حيث المفعول به، فقال: (وزرك).
وهذا الجواب غير تامٍّ؛ لوجهين:
الأوّل: أنَّ ما أفاده إنَّما يصحّ إذا كان الإبهام ناشئاً من (لك) و(عنك)، فحينئذٍ يذكر (لك) و(عنك) تركيزاً للإبهام، ثُمَّ يوضّح المراد بذكر المفعول به، مع أنَّ الإبهام لا يستند إليهما، بل هو مستندٌ في الحقيقة إلى نفس الفعل (نشرح)، فماذا نشرح؟ والمفعول به لم يأتِ بعدُ، فلا زال الإبهام حاصلاً، سواء قال: (لك) أم لم يقل، ولا دخل لذلك بالإبهام أو الإيضاح؛ لأنَّه ليس بياناً للمفعول به ولا لعدم المفعول به، وإنَّما الإبهام من ناحية الفعل (نشرح) و(وضعنا).
والسرّ فيه: أنَّ الفعل حينما يكون متعدّياً يكون مبهماً من جهة المفعول به، فـ (خرج زيدٌ) ليس مبهماً من جهة المفعول به؛ لأنَّه لا يحتاج إلى مفعولٍ، بخلاف ما لو قلنا: (ضرب زيدٌ) فنبقى ننتظر شيئاً؛ لأنَّه متعدٍّ، فيكون بحاجةٍ إلى مفعول به. ومن هذه الناحية سقط الوجه الذي ذكره الرازي، لأنَّه قال: إنَّ (لك) إنَّما كانت وجهاً بلاغيّاً باعتبار الإبهام، مع أنَّها لا دخل لها بذلك.
الثاني: أنَّ كلّ فعلٍ متعدٍّ ينتظر مفعولاً به لإيضاحه، وهذا هو معنى الإبهام في الأفعال، وهو موجودٌ في سائر الأفعال المتعدّية، فلا يُعدّ وجهاً من وجوه البلاغة.
والحقّ في الجواب عن السؤال المذكور أن نُشير إلى الوجهين التاليين:
الوجه الأوّل: أنَّه زيادةٌ في إظهار المنّة على المخاطب؛ إذ المقطع الأوّل من السورة لبيان المنّة (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ)، أي: أنقذناك من أن ينتقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك، فهي مننٌ سامية من الله ورحماتٌ خاصّةٌ بكلّ تأكيدٍ.
ولابدّ هنا أن نلتفت إلى حرف النفي (ألم)، فلم يقل: (قد شرحنا لك صدرك)، بل قال: (ألم)، يعني: أنَّك لا تستطيع الإنكار، بل لابدّ بالضرورة الحسّيّة والوجدانيّة أن تصدّق وتسلّم، فتقول: (نعم، شرحت صدري ووضعت وزري ورفعت ذكري).
وعليه فهذا النفي يعضد تأكيد المنّة على المخاطب، فالسياق سياق تأكيد المنّة، وكلّما كان هناك سببٌ أكثر لتأكيدها وأشدّ في الإظهار والبيان كان أفضل وأحسن، ومن هنا جاء ذكر (لك) و(عنك).
الوجه الثاني: أنَّ الغرض منها إظهار ارتباطه بالفرد المخاطب، فقال: (لك) و (عنك)، لا لأجل غيرك.
ولبيان ذلك نقول: إنَّ شرح صدر النبي كما ينتفع به بنفسه كذلك تنتفع به أُمّته، بل سائر البشر؛ لأنَّ مواهبه ومنافعه ستكون أوضح وأشمل وأكثر تأثيراً وأعمق معنىً، بخلاف ما إذا لم يكن صدره مشروحاً، فيشرح صدر النبي لمصلحة أُمّته، لا لمصلحته فقط إن صحّ التعبير. والمراد في الآية أنَّ الشرح لك خاصّة، أي: لأجلك لا لغيرك، فليس لنا مزيد عنايةٍ بغيرك أيّها النبي، بل الغرض هو أنت، فشرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزركٍ، سواء انتفع غيرك أم لم ينتفع، فالمستفيد المباشر والممتنّ عليه مباشرة هو النبي لا غيره، مع أنَّه بالإمكان أن يكون للآخرين نصيبٌ ونفعٌ، إلّاَ أنَّها ملحوظةٌ بلحاظٍ ثانويٍ ولازمٍ لا بالمباشرة.

الهوامش
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 359، تفسير سورة (ألم نشرح).
(2) سورة مريم، الآية: 12.
(3) سورة التكوير، الآيتان:20- 21.
(4) أُنظر: مناقب آل أبي طالب 1: 179، فصل في معراجه (صلى الله عليه وآله)، كما رواه عنه في بحار الأنوار 18: 382، الباب 3، إثبات المعراج ومعناه وكيفيّته وصفته ... .
(5) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 314، تفسير سورة (ألم نشرح).
(6) سورة التكوير، الآية: 20.
(7) بحار الأنوار 84: 339، الباب 13، الحديث 19.
(8) راجع كتاب العين 3: 378، مادّة (كهل).
(9) راجع لسان العرب 11: 420، مادّة (عبل).
(10) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 150، تفسير سورة الشرح، زاد المسير في علم التفسير 4: 460، تفسير سورة الشرح، وغيرها.
(11) سورة طه، الآية: 25.
(12) سورة الزمر، الآية: 22.
(13) سورة طه، الآية: 25.
(14) أُنظر: تفسير العيّاشي 1: 11، تفسير الناسخ والمنسوخ، تفسير نور الثقلين 4: 484، تفسير سورة الرعد، الحديثان 26، و27، وتفسير الصافي 1: 29، المدخل، المقدّمة الرابعة.
(15) أُنظر: الكافي 2: 630، باب النوادر، الحديث 14، الاحتجاج 2: 431، احتجاج الرضا× على أهل الكتاب ...، تفسير العيّاشي 1: 10، في ما أنزل القرآن، تفسير القمّي 1: 16، المقدّمة، وغيرها.
(16) سورة الحجرات، الآية: 7.
(17) راجع الجامع لأحكام القرآن 21: 104، تفسير سورة (أَلَمْ نَشْرَحْ)، وجامع البيان في تفسير القرآن 15: 3، تفسير، تفسير سورة الإسراء، وغيرهما.
(18) سورة غافر، الآية: 56.
(19) سورة آل عمران، الآية: 29.
(20) سورة الأعراف، الآية: 43.
(21) سورة الشعراء، الآية: 13.
(22) سورة الزمر، الآية: 22.
(23) سورة النحل، الآية: 106.
(24) سورة غافر، الآية: 56.
(25) سورة الأعراف، الآية: 43.
(26) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 104، تفسير سورة (ألم نشرح)، جامع البيان في تفسير القرآن 15: 3، تفسير سورة الإسراء، وغيرهما.
(27) أُنظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 385، تفسير سورة الشرح، مفاتيح الغيب 32: 205، تفسير سورة ألم نشرح، وغيرها.
(28) سورة الأنعام، الآية: 125.
(29) سورة الحجرات، الآية: 7.
(30) أُنظر: مستدرك الوسائل، الباب 43 من أبواب جهاد النفس، الحديث: 8، من كتاب الجهاد.
(31) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 314، تفسير سورة (ألم نشرح).
(32) مناقب آل أبي طالب 3: 247، باب النكت واللطائف، كشف الغمّة 3: 537، الباب الخامس، وبحار الأنوار 39: 56، الباب 73.
(33) لم نعثر عليه بلفظه في المجامع الروائيّة، وغيرها.
(34) سورة يونس، الآية: 85 .
(35) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 150، تفسير سورة الشرح، زاد المسير في علم التفسير 4: 460، تفسير سورة الشرح، وغيرها.
(36) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 104، تفسير سورة (ألم نشرح) جامع البيان في تفسير القرآن 15: 3، تفسير سورة الإسراء، وغيرهما.
(37) سورة الزمر، الآية: 22.
(38) أُنظر: مناقب آل أبي طالب 1: 217، فصل في اللطائف، تأويل الآيات الظاهرة: 430، سورة لقمان، وبحار الأنوار 16: 405، الباب 12، الحديث1.
(39) مناقب آل أبي طالب 3: 247، باب النكت واللطائف، كشف الغمّة 2: 537، الباب الخامس، وبحار الأنوار 39: 56، الباب 73.
(40) سورة الكهف، الآية: 110.
(41) لم نعثر على روايةٍ بهذا المضمون. نعم، أورد الحافظ رجب البرسي في مشارق أنوار اليقين: 253، عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: (وأنا القلم) فلاحظ وتدبّر.
(42) أُنظر: تفسير نور الثقلين 5: 387-388، تفسير سورة القلم، البرهان في تفسير القرآن 5: 452-454، تفسير سورة القلم، وغيرهما.
(43) بصائر الدرجات: 232، الجزء الخامس، الباب 7، وقريبٌ منه ما في الكافي 1: 254، كتاب الحجّة، باب أنّ الأئمّة (عليهم السلام) يزدادون في ليلة الجمعة وباب لولا أنّ الأئمّة (عليهم السلام) يزدادون لنفد ما عندهم.
(44) لسان العرب 7: 244، مادّة (نقض).
(45) لسان العرب 7: 244، مادّة (نقض).
(46) المصدر السابق.
(47) المصدر السابق.
(48) الكافي 1: 23، كتاب العقل والجهل، الحديث 15، الأمالي (للشيخ الصدوق): 419، المجلس 65، الحديث 6، المحاسن 1: 195، باب العقل، الحديث 17، وغيرها.
(49) أُنظر: مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل: 376، سورة الانشراح.
(50) أُنظر المصدر السابق.